نشرت وزارة الأوقاف نص خطبة الجمعة القادمة والمقالات الداعمة لها عبر منصتها الرقمية بعنوان “بطولات لا تُنسى” والخطبة الثانية بعنوان “فضائل ليلة النصف من شعبان”.

نص خطبة الجمعة المقبلة الجزء الأول

وجاء نص الخطبة كالآتي الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وبفضله تتنزل الرحمات وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جعل حب الأوطان من كمال الإيمان وعمارة الأرض أمانة في أعناق الإنسان وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الذي علمنا أن الوفاء للديار عبادة وأن البذل في سبيل رفعتها شرف وسيادة صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وبعد.

فإن من أمن الناس أمنه الله هذه بشارة لمن جعل من صدره درعًا يحمي البلاد ومن سهره حارسًا للطمأنينة في قلوب العباد وتتجلى ذروة تلك البشرى فيما نراه من حماة الأوطان وحراس الأمن والأمان فهم التجسيد الحي لمعنى البطولة الإنسانية تلك القيمة التي تجعل البطل منهم ينكر ذاته في سبيل بقاء بنيان الوطن ويؤثر أمن بلاده على سلامة نفسه فهؤلاء الأبطال يقفون سدًا منيعًا يحمي أركان الوجود والممتلكات العامة وحرمات العباد ويؤكدون أن الجندي الذي يبيت وعينه تترقب العدو أو رجل الأمن الذي يصل ليله بنهاره ليؤمن روع الآمنين هما في امتثال مباشر للأمر الإلهي باليقظة والحذر انطلاقًا من قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ وإن هذا البذل يتجاوز حدود المادة ليكون سموًا أخلاقيًا يبتغي به صاحبه وجه الله اقتداءً بصحابة رسول الله ﷺ الذين نذروا حياتهم لحفظ مجتمعهم مستلهمين بشارة المصطفى ﷺ للمرابطين حيث يقول ﷺ “رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ”.

إن حب الوطن فطرة إنسانية وعقيدة إيمانية تجسدها تلك الجهود المخلصة والتضحيات الجسورة والبطولات التي لا تُنسى والتي يقدمها أبناء وطننا في كل ميدان فالوطن هو المآل والملاذ والمستقر الذي نبتت فيه الأجساد وزكت فيه الأرواح مما يجعل الحفاظ عليه وحمايته واجبًا يتقرب به العبد إلى مولاه إذ يتجلى صدق هذا التقرب في أسمى صوره من خلال مفهوم المرابطة الذي يتسع في ديننا ليشمل كل جهد مخلص يصون كيان الدولة ويحفظ مقدراتها فالعين التي تسهر على الحدود تحرس أمننا واليد التي تزرع في الحقل تؤمن قوتنا والعقل الذي يبدع في معامل العلم يشيد نهضتنا حيث يصبح العرق المبذول في طلب الرزق أو حماية الثغور إلى نور في الصحائف وبركة في العمر ورفعة في الدرجات.

سادتي الكرام إن تضحيات حماة الأوطان هي الصك الضامن للنجاة وهي الوفاء الذي يثمر أمنًا في المساجد والبيوت والأسواق وإن أعظم ما يوجّه به هذا البذل هو ذلك المقام السامي الذي خصّه النبي ﷺ لمن سهرت عيونهم تحرس الأعراض والأموال والدماء فجعلهم في مأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة حيث ختم ﷺ بوعده الحق قائلًا “عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللهِ”

يا أبناء مصر الكرام يا ورثة الحضارة وحراس التاريخ إن وطنكم يناديكم لمواصلة الجهود والتضحيات بصدق وإخلاص فمصر لا يشتد بنيانها إلا بسواعد أبنائها المتكاتفين حول غاية واحدة هي عزتها ورفعتها وإننا إذ نستنهض الهمم نستحضر في ذاكرة الوطن بطولات لا تُنسى سطّرها المصريون بدمائهم في سجل الخلود فنتذكر بوفاء أولئك الأبطال من رجال أمن بلادنا الذين ضحوا بأرواحهم في مواجهة خفافيش الظلام وغدر الإرهاب ليؤكدوا أن الفداء ليس مجرد شعار بل هو بذل الروح لتظل مصر آمنة مطمئنة.

كما نتذكر ذلك البطل الذي اندفع بقلب جسور ليصد لهب الدمار عن الناس في محطة الوقود فصار بجسده سدًا يحمي الأرواح ثم رحل شهيدًا مباركًا كما نبصر في أرجاء مصر ذلك النبل الإنساني فيمن سخّر عطاءات الله له لتكون مأوى وسكنًا لمرضى السرطان يطعمهم بيده ويضمد جراح قلوبهم في تجسيد حي لمعنى الرحمة المهداة هذه النماذج هي جوهر عقيدة حماة الوطن وحراس أمنها.

فيا أيها الكادحون في ميدان البناء ويا أيها المرابطون على ثغور الفداء استمروا في عطائكم فإن إتقان العمل هو العبادة الباقية والوفاء الحقيقي لدماء الشهداء وهو الغرس الذي ستجني ثمارَه الأجيال القادمة أمنًا ورخاءً فكونوا على قلب رجل واحد واثقين في نصر ربكم مخلصين لوطنكم الذي يبقى بعهد الله عزيزًا منيعًا بتضحياتكم مستلهمين معية الحق سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُحْسِنُونَ﴾.

نص خطبة الجمعة المقبلة الجزء الثاني

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.

فإن ليلة النصف من شعبان هي ميقات التجلي الأعظم حيث ينظر الحق سبحانه وتعالى إلى عباده بعين الحنان والإحسان فاتحًا أبواب السماء لاستقبال هدير الأرواح بالدعاء وقد نص أكابر العلماء وعارفو الأمة على أن هذه الليلة هي إحدى الليالي التي لا يُرد فيها سائل ولا يخيب فيها مؤمل فهي ليلة الإجابة التي يسكب فيها العبد انكسار قلبه بين يدي ربه فيقابل الانكسار بالجبر والاضطرار بالاستجابة فأقبلوا على مولاكم بصدق الافتقار واعلموا أن الله هو مقصود الكل إليه تتجه القلوب في كل حال وعند عتبات جوده تلقي الأرواح رحالها فهو المحيط بالجهات الواسع العطاء الذي يفيض بنوره على من أقبل عليه تصديقًا لقول تعالى ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.

عباد الله أحيوا تلك الليلة الميمونة باستنهاض الهمم لمناجاة الخالق وعمروا أوقاتكم بالذكر والتلاوة والقيام مع استحضار هيبة التجلي الإلهي في كل سجدة ونفس اجعلوا هذه الأوقات الفاضلة محرابًا لصفاء السريرة وصلوا فيها ما انقطع مع الله ومع الخلق لعلكم تظفرون بنظرة رضا ترفعكم من ظلمة الغفلة إلى ضياء الحضور واجمعوا شتات قلوبكم موجهين أرواحكم لربكم في ليلة عظيمة الشأن جليلة القدر مستبشرين بما جاء عن الجناب المعظم والنبي الأفخم ﷺ حين قال “يَطَّلعُ اللهُ إلى جميعِ خلقِه ليلةَ النصفِ من شعبانَ فيغفرُ لجميعِ خلقِه إلا لمشركٍ أو مشاحنٍ” فطهّروا قلوبكم من الشقاق ونفوسكم من الأحقاد لعلكم تكونون من الفائزين بعفوه في هذه الليلة المباركة.

فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ طَابَ الذِّكْرُ وَالدُّعَا وَفَاضَ نُورُ الرِّضَا فِي كُلِّ مَنْ رَكَعَا.

يَـا رَبِّ حَوِّلْ إِلَيْكَ القَلْبَ مُتَّجِهًـا وَاجْبُرْ فُؤَادًا بِنَيْلِ القَصْدِ قَدْ طَمـعَا.

وإننا إذ نستقبل أنوار ليلة النصف من شعبان ليلة التجلي الأعظم وتحويل القبلة لندعوكم أن تجعلوا من إخلاصكم في بناء وطنكم ومن سهر حماة وطنكم القربة الأسمى التي ترجون بها نظر الله إليكم بالرحمة والقبول فكما تحولت وجهة المصطفى ﷺ في هذه الليلة نحو الكعبة المشرفة فلتتحول وجهة قلوبكم نحو صون مقدراتكم وليكن كدكم وعرقكم قربة القبول وبساط الوصول لمغفرة الودود سبحانه والتي تنزل في هذه الليلة على المخلصين الذين عمّروا الأرض بحب وحرسوا الأمة بيقظة سائلين المولى أن يجعلها فاتحة جبر لمصرنا ونورًا لقلوبنا وقوة لبنياننا وتثبيتًا لأقدام حراس أمننا الأوفياء.

حفظ الله مصر وأهلها من كل مكروه وسوء وحولنا إليه تحولًا يرضى به عنا.