بين جدران «بيت الأمة» العتيقة، يعود الدكتور السيد البدوي ليجد أثاث بيته قد تآكل وجدرانه قد تصدعت، هو الذي قاد الوفد في أصعب لحظات الدولة المصرية بين عامي 2010 و2018، يعود اليوم استجابة لنداء أخلاقي يطارده في أحلامه، حيث يتساءل ماذا سيقول لسعد والنحاس وسراج الدين لو ضاع الوفد في عهده.
يتحدث البدوي بنبرة تجمع بين حرص رجل الدولة على الأمن القومي وغيرة الوفدي الذي يرفض أن يرى حزبه مجرد ديكور في المشهد السياسي، في هذا الحوار يفتح البدوي قلبه وعقله، واضعًا النقاط فوق الحروف في ملفات المال والسياسة والرموز والشباب.
■ كيف تقيم ميزان القوى ومناخ المنافسة داخل الوفد اليوم؟
– الوفد حزب الديمقراطية في مصر، وما نشهده اليوم هو عرس ديمقراطي حقيقي، انسحاب الدكتور ياسر حسان والدكتور عيد هيكل هو وسام على صدري، وأرى فيه التفافًا حول رؤية المصالحة التي أتبناها، الدكتور ياسر حسان دخل الوفد على يدي، وهو كفاءة اقتصادية وسياسية أعتز بها، انسحابه لصالح كبير العائلة هو رسالة ثقة تضاعف مسئوليتي، والدكتور هاني سري الدين أخ عزيز وقيمة وفدية وقانونية دولية، نحن لا نتصارع، بل نتنافس لتقديم الأفضل لبيت الأمة، المنافسة مع قامة مثل هاني سري الدين ترفع من شأن الانتخابات، وميزان القوى في النهاية بيد الوفديين، وأنا أثق في وعيهم وقدرتهم على اختيار من يستطيع لم الشمل في هذه اللحظة الفارقة.
■ وماذا عن انسحاب المستشار بهاء الدين أبوشقة واستقالته من الحزب؟
– المستشار بهاء أبوشقة قامة قانونية، وقدم للحزب الكثير في فترته، استقالته خسارة موجعة لبيت الأمة، الوفد لا يفرط في أبنائه، فما بالك برموزه ورؤسائه السابقين، سأعمل فور فوزي على إعادة كل الرموز التاريخية التي غادرت الحزب أو ابتعدت بسبب الخلافات، عهدي سيكون عهداً لا مكان فيه لتصفية الحسابات، الوفد يحتاج لكل عقل وكل يد، ولن أسمح بوجود جبهات أو انشقاقات، نحن عائلة واحدة، وكبير العائلة دوره أن يجمع لا أن يفرق، فحزب الوفد ليس للبيع ولا للإيجار.
■ كم يحتاج الحزب من الوقت تحت قيادتك ليعود منافساً حقيقياً لأحزاب الأغلبية؟
– الانهيار الذي قصدته هو انهيار الدور السياسي والميداني، والوفد تراجع من زعيم للمعارضة وظهير شعبي إلى حزب منشغل بصراعاته الداخلية، لكي نعود منافسين حقيقيين، نحتاج العمل المؤسسي الشاق، وسأبدأ بإعادة بناء القاعدة التنظيمية في القرى والنجوع، المؤشر الحقيقي للتعافي ليس في عدد الندوات، بل في قدرتنا على الدفع بمرشحين في الانتخابات الفردية والنجاح بكتلة تصويتية حقيقية، كما أن الوفد في عهدي حقق 45 نائباً في ظروف قاسية.
■ هل يستطيع الوفد اليوم أن يتحرك سياسياً دون تمويل من السيد البدوي شخصياً؟
– دعنا نضع النقاط على الحروف، التمويل في الأحزاب السياسية الكبرى عالمياً يعتمد على تبرعات أعضائه المؤمنين بمبادئه، أنا وفدي حتى النخاع، وتبرعي للحزب هو واجب وليس منًّا، نعم، سأدعم الحزب مالياً لتجاوز عثرته الحالية، ولإعادة فتح المقرات المغلقة وصرف رواتب الموظفين المتوقفة، ولكن استقلال القرار السياسي مقدس، ولن يكون هناك تمويل مقابل قرار، سأقوم بإنشاء صندوق لدعم الوفد يخضع لرقابة مالية صارمة من الهيئة العليا وأجهزة رقابية مستقلة داخل الحزب، كما أن التمويل سيكون وسيلة للبناء، واللائحة هي الحاكمة، والقرار في الوفد هو قرار جماعي يخرج من رحم الهيئة العليا، ولا يملكه فرد مهما بلغت مساهمته المالية.
■ نرى دائماً حديثاً عن كوادر شابة لكن في الواقع لا نرى وجوهاً وفدية شابة، لماذا؟
– هذا صحيح للأسف، والسبب هو سياسة التهميش التي مورست مؤخراً، الشباب كان يتم استخدامهم كديكور للمؤتمرات فقط، في برنامجي الشباب هم قادة المستقبل، سأعيد تفعيل معهد الدراسات السياسية واتحاد شباب الوفد فوراً، وستكون لهم مقاعد حقيقية في دوائر صنع القرار، وسأدرب الكوادر الشابة لتكون هي المتحدث الرسمي للحزب في الفضائيات، وسأصنع جيلاً جديداً من الساسة التكنوقراط القادرين على صياغة أوراق سياسات ومناقشة وزراء الحكومة، الوفد الذي أطمح إليه هو حزب شاب الروح عريق التاريخ.
■ هناك من الوفديين من يرى فيك الفرصة الأخيرة للإنقاذ، هل هذا الضغط يشعرك بالقلق؟
– لا يشعرني بالقلق، بل بالمسئولية الثقيلة، أنا لم أكن أريد الترشح، وكنت مكتفياً بمدتين، لكن الرسائل التي وصلتني كانت قاسية ومؤثرة، أحد الوفديين قال لي ماذا ستقول لسعد باشا والنحاس باشا لو ضاع الوفد وأنت تملك القدرة على إنقاذه، هذا ضغط أخلاقي جعلني لا أنام، أنا هنا لست باحثاً عن منصب، فقد رفضت رئاسة الوزراء مرتين، بل أنا هنا ملبٍ لنداء الاستغاثة، والوفد هو صمام أمان للدولة المدنية في مصر، وإنقاذه هو مهمة وطنية قبل أن تكون حزبية.
■ كيف شعرت عندما حصل الوفد على عدد مقاعد أقل من أحزاب لم يتجاوز عمرها سنوات قليلة؟
– شعرت بغصة في قلبي، الوفد الذي كان يحرك ملايين المصريين يجب ألا يكون في مؤخرة الترتيب البرلماني، هذا التراجع هو نتيجة طبيعية للاعتماد على التمثيل الشكلي في القوائم وإهمال القواعد الشعبية، الأحزاب الناشئة اشتغلت سياسة، والوفد اشتغل صراعات داخلية، سأعيد الوفد لمكانته بالسياسة والخدمات الميدانية والخطاب العقلاني، ليعرف الجميع أن الأصل دائماً هو الوفد.
■ ما استراتيجيتك لتطوير الهيئة العليا؟
– النائب الوفدي يجب أن يكون مشرعاً ومراقباً من الطراز الأول، سأشكل غرفة دعم فني للهيئة البرلمانية تضم خبراء في جميع المجالات، سيمد الحزب نوابه بدراسات دقيقة وأوراق سياسات لكل قانون يُعرض في البرلمان، هدفنا هو تحويل الهيئة البرلمانية إلى حكومة ظل تراقب الأداء الحكومي وتقدم البديل الواقعي وليس مجرد المعارضة من أجل المعارضة.
■ ما أول قرار ستتخذه في أول 100 يوم من رئاستك؟
– الإصلاح له ثمن، قد نضطر لإعادة هيكلة بعض القطاعات الإدارية، أو تغيير آليات الترشح للمناصب، أو وضع معايير صارمة للتمثيل البرلماني، قد يغضب البعض، لكن مصلحة الوفد المؤسسة فوق مصلحة الوفد الأشخاص، سأتحمل المسئولية السياسية لهذه القرارات لأن الهدف هو بقاء الحزب قوياً ومستداماً للأجيال القادمة، وأول قرار سيكون إعلان المصالحة الشاملة وإلغاء قرارات الفصل التي لم تتبع اللائحة، ودعوة الوفديين المنسحبين للعودة إلى بيتهم، وتشكيل لجنة لصياغة اللائحة الجديدة.
■ تعرضت للفصل بقرار منفرد، هل تنوي استخدام هذه السلطة حال فوزك؟
– إطلاقاً، الفصل بقرار منفرد هو هدم لمبادئ الوفد، لا فصل إلا بتحقيق قانوني وقرار من الهيئة العليا وفقاً لللائحة، أنا عانيت من القرارات الانفعالية، ولن أكررها، جئت لأبني نظاماً يحمي العضو من الرئيس، لأن الأشخاص زائلون واللوائح هي الباقية، دستور الوفد الذي أعد به سيجعل سلطة رئيس الحزب تنظيمية وتنسيقية وليست ديكتاتورية.
■ كيف ترى الوفد في ظل المنافسة مع الأحزاب الناشئة؟
– الوفد هو الأصل وهو المدرسة، خروج البعض لتأسيس أو قيادة أحزاب أخرى هو دليل على قوة مدرسة الوفد، أنا لا أخشى المنافسة، بل أرحب بها، رسالتي لمن غادروا بيت الأمة ينتظركم، والوفد القوي هو الذي يستوعب الجميع، سننافس بتاريخنا الممزوج بعصرنة أدواتنا، سنستعيد مكانتنا بالسياسة وليس بالهجوم على الآخرين.

