شهدت قاعة «ديوان الشعر» في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57 ندوة بعنوان «أرواح في المدينة» للكاتب الصحفي محمود التميمي، منسق مشروع «حفظ الذاكرة الوطنية».
في بداية الندوة، أشار التميمي إلى أن هذا هو اللقاء الثاني له في المعرض للعام الثاني على التوالي، موضحًا أن ندوة العام الماضي تناولت ذكرى الأديب العالمي نجيب محفوظ، بينما ندوة اليوم تأتي في إطار مشروع معني بالذاكرة الوطنية.
وأضاف التميمي أن تذكر رموز الوطن ليس من باب الأسى، بل من أجل التعلم منهم واستكمال ما وصلوا إليه، كاشفًا عن مشروع يحمل اسم «مسارات أرواح في المدينة»، يهدف إلى ربط الكُتَّاب والفنانين بأماكن تواجدهم وتأثيرهم، ومن بينهم نجيب محفوظ، الذي تم تتبع مساراته وأماكن وجوده.
وتساءل التميمي عن البداية المناسبة للحديث عن نجيب محفوظ، هل من درب قرمز، محل ميلاده عام 1911، أم من أول مجموعة قصصية له «همس الجنون» عام 1938.
وأوضح أن المجموعة القصصية «همس الجنون» كانت تدور حول المجتمع الصوفي، مشبهًا محفوظ بأنه «فيلسوف ضل طريقه في الأدب، وكاتب ضل طريقه في الفلسفة».
توقف التميمي عند محطة مهمة في حياة نجيب محفوظ، وهي أول رواية له «عبث الأقدار» عام 1939، التي نُشرت في مجلة «المجلة الجديدة»، التي كان يرأسها الكاتب الكبير سلامة موسى.
وأشار إلى أن الرواية كانت تحمل في البداية اسم «خوفو»، قبل أن يتم تغيير اسمها إلى «عبث الأقدار»، وهو الاسم الذي واجه هجومًا حينها، ثم أصدرت دار «الشروق» نسخة ميسرة منها عام 1989 بعنوان «عجائب الأقدار».
وأكد التميمي أنه اختار أن يبدأ حديثه من تاريخ فوز نجيب محفوظ بجائزة «نوبل»، مشيرًا إلى أن محفوظ تبرع بالجائزة ولم يحتفظ إلا بثلث قيمتها فقط.
خلال الندوة، عُرض فيلم تسجيلي عن نجيب محفوظ، ناقش التميمي من خلاله تأثر «أديب نوبل» بالحارة المصرية وعالم الفتوات، وصولًا إلى التحول الذي طرأ على المجتمع حين بدأ الشباب في مقاومة الاحتلال الإنجليزي بدلًا من الانشغال بالصراع بين الحارات، متناولًا في الوقت ذاته تطور الطبقات الاجتماعية في مصر كما قدمها محفوظ عبر أعماله الروائية حتى رواية «الحب فوق هضبة الهرم».
تطرق التميمي إلى حديث محفوظ عن سنوات دراسته، حيث قال إن مدرسته كانت تضم فريقًا مسرحيًا وآخر للشعر، وإنهم كانوا يشاركون ويتعلمون عقب ثورة شعبية مهمة، مؤكدًا أن المصريين حينها كانوا يؤمنون بالمبادرات الفردية، وهو ما أنتج جيلًا من المثقفين والفنانين ربما لن يتكرر.
وأضاف التميمي أن نجيب محفوظ كان متأثرًا بالحضارة الفرعونية، خاصة بعد اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، الذي شكل حدثًا فارقًا في نظرة الغرب للحضارة المصرية القديمة.
وفي عام 1983، سأل عمر بطيشة نجيب محفوظ عن سبب عدم وصول الأدب العربي إلى العالمية، فأجاب محفوظ: «هناك شرطان: الكاتب الأصيل والقارئ الواعي»، مضيفًا أنه يجب أن نهتم بالأدب المحلي قبل أن نفكر في العالمية
قارن التميمي بين شخصية «الست أمينة» في «ثلاثية» نجيب محفوظ، وشخصية شريفة رياض التي تحدت «ونجت» و«كرومر»، معتبرًا أن «أمينة» لم تكن النموذج الوحيد للمرأة المصرية في مطلع القرن العشرين، بل كان هناك نماذج أخرى مثقفة ومناضلة.
ناقش التميمي رواية «القاهرة الجديدة»، التي تحولت لاحقًا إلى فيلم سينمائي بعنوان «القاهرة 30»، معتبرًا أنها شكلت طفرة في أدب محفوظ، بتناول القاهرة بعد وفاة سعد زغلول وما شهدته من انهيارات اجتماعية وسياسية واقتصادية.
كشف التميمي أن محفوظ توقف عن الكتابة مرتين فقط في حياته، الأولى عقب ثورة يوليو 1952، حين قال: «اختفى المجتمع الذي أعرفه»، والثانية بعد الانتصار في حرب أكتوبر 1973، إذ قال: «فرحتي أكبر من أن أعبر عنها»
تحدث أيضًا عن «المزارات المحفوظية»، وهي الأماكن التي وردت في أعماله الروائية، كاشفًا أنه كان هناك مشروع لتقنين هذه المزارات لكنه توقف بعد ثورة يناير.
اختتم التميمي كلمته بتأكيد أن نجيب محفوظ لم يكن شخصًا معارضًا بالمعنى المباشر، لكنه «صارع السلطة في كتاباته»، وصولًا إلى محاولة اغتياله الشهيرة.

