في عالم السينما، يبقى سؤال خلودها محفورًا في ذاكرة النقاد والجمهور هل يكمن السحر في الوجوه المألوفة التي تبهر الشباك أم في الوجوه البكر التي تجلب معها صدق لا يمكن تكذيبه.

بهذه الروح الاستقصائية، يغوص الكاتب والناقد السينمائي محمد عبد الرحمن في متاهة هذا التساؤل ليخرج لنا كتاب «الممثل غير المحترف: النشأة والمفهوم والتطبيق» الذي يُشكل لبنة أولى في جدار المكتبة العربية لهذه النوعية من الكتب لقد ظلت هذه المكتبة، لسنوات طويلة، تفتقر إلى دراسات متخصصة تُفكك هذه الظاهرة المعقدة على الرغم من أن السينما العربية نفسها قد استعانت بـ«الممثل غير المحترف» في أفلام تحولت إلى كلاسيكيات ومن هنا، تكتسب دراسة عبد الرحمن أهميتها

الجهد الذي بذله المؤلف ليس مجرد تجميع، بل هو رحلة ما وراء المشهد بحثًا عن سر بقاء أيقونات سينمائية كتحفة فيتوريو دي سيكا «سارقو الدراجة» التي مر عليها أكثر من 77 عامًا كان اكتشافه المدهش أن ممثلي هذه الدراما الخالدة لم يكونوا ممثلين في الأصل هو القوة الدافعة التي صاغت هذا المصطلح وجعلته محورا لأطروحته وبفضل رعاية موسوعة السينما السعودية، التي تؤكد دورها في إثراء الثقافة السينمائية المتخصصة، خرج هذا المشروع ليضع بين أيدينا بوصلة إرشادية لكل سينمائي يبحث عن تجارب المخرجين الذين تمردوا على سطوة النجوم.

لم يغفل الكتاب القسم النظري، ولكنه قدمه بتركيز شديد يوضح المؤلف أن ظاهرة الممثل غير المحترف ليست وليدة الصدفة بل هي قانون حقيقي للسينما يمتد جذوره إلى اللحظات التأسيسية مع الأخوين لومير ثم تبلور هذا المفهوم خلال حركات سينمائية مؤثرة كان همها الأول هو تعزيز واقعية الفن وربطه بالتجارب الحياتية.

يشير الكتاب إلى كيف تبنى صانعو الأفلام السوفييت الأوائل مفهوم «النمط» مدفوعين بالقيود الاقتصادية والرغبة في تمييز أفلامهم عن سينما ما قبل الثورة أما في الواقعية الجديدة الإيطالية، فكان غير المحترف سلاحًا أيديولوجيًا ضد نظام النجوم الهوليوودي والفاشية بينما اعتمدت الموجة الفرنسية الجديدة عليهم بسبب قيود الميزانية وكسر القواعد السينمائية التقليدية.

وينتقل بنا عبد الرحمن بجرأة إلى قلب المفاهيم المتعددة (غير الممثل، الهاوي، النمط، النموذج) مؤكدًا أن الفارق الجوهري يكمن في غياب التدريب الرسمي والخبرة الاحترافية والأهم، أن الكتاب لا يتجاهل الشبهات الأخلاقية التي تحيط بالظاهرة، من استغلال مادي حيث يتقاضى غير المحترف أجرا ضئيلا أو لا يتقاضى شيئًا إلى المعاملة السادية من قبل بعض المخرجين الذين يرونهم مادة خام بشرية يمكن تشكيلها كيفما يشاءون.

جوهر هذا الكتاب يكمن في القسم التطبيقي الذي يبحر في عوالم أفلام، كل منها يمثل تجربة فريدة لكيفية تطويع الوجه البكر للمثل غير المحترف لخدمة الرؤية الفنية أو لفرض الضرورة السياسية والاقتصادية يسهب المؤلف هنا ليثبت أن الاستعانة بغير المحترفين كانت اختيارًا فنيا جماليا لا مجرد حل عملي.

يبدأ عبد الرحمن من الأيقونة التي ألهمته فيلم «سارقو الدراجة» (1948) هو شهادة بصرية على البؤس حيث ينطلق الحدث من واقعه البسيط: سرقة دراجة عامل، وانهيار حياة أسرته الفقيرة

يؤكد التحليل أن فيتوريو دي سيكا كان يبحث عن التطابق فالبطل لامبرتو ماجيوراني، الذي أدى دور أنطونيو ريتشي، كان شخصيته الحقيقية موازية لشخصية البطل الباحث عن وظيفة في فترة انهيار اقتصادي حتى الطفل إنزو ستايولا (برونو) تم اختياره بسبب خطواته الصغيرة اللاهثة التي تقارن بخطوات الأب.

لقد كان المخرج يرى في الوجه والجسد وثيقة يذكر المؤلف كيف تأثر دي سيكا بحركات يدي ماجيوراني، التي كانت تمثل يدي عامل لا ممثل لقد كان هذا الفيلم تحديًا في الإخراج تطلب من طاقمه جهدا غير عادي وصولا إلى مدير الإنتاج الذي تظاهر بأنه شرطي مرور لتصوير مشهد واقعي في الشوارع الحقيقية لروما.

فيلم «كفرناحوم» (2018) لنادين لبكي يمثل ذروة التجربة العربية الحديثة في الاعتماد على الواقع الخام يصفه عبد الرحمن بأنه متخم بالرمزية والمباشرة ونجاحه الساحق عالميًا يؤكد قيمة الوجوه غير المدربة.

كان خيار لبكي إلزاميًا فالبطل زين الرفاعي هو طفل سوري لاجئ والشابة الإثيوبية راحيل كانت هاربة يبرز الكتاب أهمية تزامن التصوير مع الواقع المؤلم فبعد يومين من تصوير مشهد القبض على راحيل في الفيلم، تم القبض عليها بالفعل في الواقع لعدم حيازتها أوراق ثبوتية هذا التداخل بين الشاشة والحياة منح الشريط مصداقية كاملة لا يستطيع أي ممثل محترف مهما كانت براعته محاكاتها.

المدهش أن نادين لبكي لم تلزم ممثليها بحرفية النص بل سمحت لهم بنقل أحاسيس الأبطال عن حياتهم الحقيقية أثناء وقت التصوير مما جعل الأداء عفويا هذه المصداقية هي التي تمنح الفيلم قدرة ممتدة على التأثير كونه يجسد قضية إنسانية مزمنة.

الفيلم البرازيلي «مدينة الرب» (2002) يمثل تحديًا مختلفًا يرى المؤلف أن هذا الفيلم، الذي يحتل مكانة متقدمة في قوائم الأفضل عالميًا، يثبت أن الأصالة لا تتطلب النجم حيث اعتمد المخرج فرناندو ميريلس على فرقة استطلاع وكشافة لتنتقي وجوها من الأحياء الفقيرة التي أنشأتها الحكومة لكن التجربة تجاوزت مجرد الاختيار فقد أخضعهم ميريلس لورشة تمثيل حقيقية لمدة أربعة أشهر موفرا لهم بيئة هادئة ووجبات مدفوعة الأجر لقد كان هذا رهانا على الأصالة حيث بنى غير المحترفين شخصياتهم من أنفسهم.

ومع ذلك، لا يغفل عبد الرحمن الإشارة إلى الظل الأخلاقي فالممثلون غير المحترفين اشتكوا لاحقًا من الأجر الزهيد الذي تقاضوه، والذي كان أقل بكثير مما حققه الفيلم لاحقًا مما يكشف عن استغلال فقرهم وضعفهم في صناعة تدر الملايين.

يشير الكتاب إلى أن فيلم «معركة الجزائر» (1966) للمخرج جيلو بونتيكورفو يمثل حالة خاصة هنا لم يكن الاختيار مرتبطًا بالفقر والحرمان فحسب بل بضرورة إعادة تجسيد التاريخ الحديث بوجوه عايشته فعلا.

لقد شارك في الفيلم قادة حقيقيون للثورة الجزائرية، مثل ياسف سعدي، وتم التصوير في حي القصبة، حيث كانت الأحداث قد وقعت للتو يؤكد المؤلف أن بونتيكورفو استخدم تكتيكات توثيقية بل قام بتسجيل نشرات الصدام ليمنح المتفرج شعورًا بالدقة التاريخية.

يرصد الكتاب الحجم الهائل للمجهود حيث شارك في إنجاز الفيلم قرابة 80 ألفا من سكان حي القصبة يحركهم المخرج ليقوموا بإعادة تصوير لحظات مؤلمة عاشوها للتو هذا النوع من السينما، الذي يعد مرجعا لأفلام الثورات، يبرهن على أن الأصالة تتفوق على الإتقان التقني عندما يتعلق الأمر بتجسيد الذاكرة الجمعية.

تجربة المخرج المصري يسري نصر الله في «سرقات صيفية» (1988) تكشف عن دوافع سياسية واقتصادية غير مباشرة السبب المباشر لاختيار غير المحترفين لم يكن فنيا بحتا بل كان مرتبطاً برفض النجوم الكبار أدوار البطولة خوفا من التبعات السياسية للعبارات التي تدين جمال عبد الناصر وقرارات التأميم.

وهنا، كانت نصيحة يوسف شاهين هي نقطة التحول نفذ المشروع بأي حد طالما أن الممول لا ينتظر النجوم لضمان تنفيذ الفيلم برؤية المخرج لا كما يريد السوق.

يوضح عبد الرحمن أن نصر الله لم يختر ممثلين غير محترفين بالمعنى المطلق بل كون ورشة عمل لتدريب الممثلين واعتمد على مزيج من الممثلين الجدد والهواة المتفرغين وبعض الأسماء التي لم تكن نجوم شباك وقتها كعبلة كامل ومحمد هنيدي لقد كان هذا الفيلم شاهدا على كيفية تمرد المخرج على القيود والخضوع لها.

أما الفيلم الأفغاني «أسامة» (2003) الذي يمثل حالة نادرة كان فيها الاستعانة بغير المحترفين سببا مرتبطا بغياب البيئة الفنية أصلا نتيجة لحكم طالبان.

البطلة مارينا جولبهاري، التي جسدت دور الفتاة المتنكرة في زي ولد، تم العثور عليها وهي تتسول في شوارع كابول يبرز المؤلف أن المخرج بارماك نقل المشاعر المكتوبة على الورق إلى أداء أمام الكاميرا لقد كانت البطلة تمثل معاناة أطفال أفغان كثيرين عايشوا نفس الظروف مما جعل الفيلم يبدو كعلاج بالسينما لكن المفارقة المؤسفة هي أن البطلة لم تنج من تبعات هذا الحكم إذ تعرضت للاضطهاد لاحقا بسبب صورة لها دون حجاب نشرت في مهرجان دولي مما أدى لهجرتها.

لقد نجح محمد عبد الرحمن في تقديم دراسة شاملة تضع القارئ أمام مفاهيم وحتى شبهات أخلاقية لم تُناقش بهذا التفصيل في الساحة العربية من قبل.

إن وجود هذا المنجز في المكتبة العربية يُعد ضرورة ملحة لأنه يوثق أن النجم ليس الوسيلة الوحيدة لحصد الأرباح وأن الأصالة والعفوية التي يجلبها هؤلاء الأبطال لمرة واحدة غالبًا ما تتجاوز الإتقان التقني للمحترفين هذا العمل يفتح الباب أمام الباحثين وصناع الأفلام العرب ليؤكد أن الجماليات الحقيقية تكمن في قدرة الفن على التقاط الوجوه الحقيقية التي تعكس أوجاع المجتمع وذاكرته وأن الخلود الفني يكمن في بساطة وصدق الطرح.