شهدت القاعة المتخصصة في الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب مناقشة كتاب «الدراما القومية» بترجمة الكاتبة سحر توفيق بمشاركة الدكتور خلف الميري أستاذ التاريخ الحديث والكاتبة والناقدة الدكتورة هويدا صالح وأدارت الندوة رشا صالح مديرة المركز القومي للترجمة.
الكتاب يتميز عن الدراسات المتعلقة بالدراما الفرنسية
قالت رشا صالح إنها تترقب صدور ترجمات مختلفة للكتاب الذي أعدته المترجمة سحر توفيق مشيرة إلى أن الكتاب يتميز عن الدراسات المتعلقة بالدراما الفرنسية لكونه يركز على سياسات التليفزيون المصري ويستهدف تأثير الدراما والمسلسلات المصرية التي بثها التلفزيون خلال الفترة من 1989 حتى 1999.
أضافت رشا صالح أن المسلسلات الوطنية تناولت تحليل الأجواء الاجتماعية مع اهتمام خاص بالهوية المصرية ودورها في تشكيل الوعي الجمعي للمواطنين.
ومن جانبها قالت سحر توفيق إن الكتاب جاء بعنوان «الدراما القومية» ويتناول موضوع الدراما الوطنية والقومية مع التركيز على الهوية المصرية خاصة في فترة الثمانينيات حيث ناقش عددًا من المسلسلات المهمة التي تركت أثرًا كبيرًا من بينها مسلسل «ليالي الحلمية» للمؤلف أسامة أنور عكاشة والذي جسّد القيم الوطنية والقومية وأسهم في تشكيل الوعي المجتمعي.
أوضحت المترجمة أن أكبر تحدٍّ واجهها أثناء إعداد الكتاب تمثل في جمع الحوارات والمقابلات مع عدد كبير من المصريين من بينهم شخصيات مثل سلوى بكر ومحمد فاضل إلى جانب نساء عاديات مثل خادمات المنازل والمرأة الصعيدية مشيرة إلى أن إعادة الترجمة إلى اللغة العربية بسبب عدم توفر تسجيلات مكتوبة كانت من أصعب مراحل البحث.
كما واجهت صعوبة في الوصول إلى النصوص الأصلية لأبيات السيرة الهلالية لكونها متفرقة وبصياغات معقدة ما تطلب جهدًا مضاعفًا لتوثيقها.
أضافت أن الكتاب صدر في عام 2005 بنسخته الإنجليزية وقد شهدت بعض التفاصيل تغييرات خلال العشرين سنة الأخيرة مثل الإشارة إلى مكتب ممدوح الليثي في ذلك الوقت ووسائل الاتصال عبر الهاتف المحمول التي لم تكن موجودة آنذاك.
تابعت المترجمة أن المسلسلات التي تناولها الكتاب لم تكن مجرد ترفيه بل كانت تهدف إلى تربية المواطن على القيم القومية والوطنية والشجاعة في مواجهة الظلم والخطأ وإعادة ترسيخ القيم المجتمعية والأخلاقية.
أكدت أن الكتاب يمثل ذكريات ثرية عاشتها في تلك الفترة ما يجعله ليس مجرد دراسة أكاديمية بل توثيق شخصي لتجربة اجتماعية وثقافية غنية.
قال الدكتور خلف الميري إن الترجمة الدقيقة للمصطلحات في مجال العلوم الاجتماعية لا يدركها إلا مترجم متمرس مشيدًا بالمترجمة سحر توفيق وتقديرًا لجهودها في الصياغة الدقيقة والالتزام بالدقة العلمية.
أوضح أن المترجم في هذا السياق ليس مجرد ناقل للكلمات بل باحث ومحقق يسعى إلى تقديم النص في أبعاده الفكرية والاجتماعية مؤكدًا أن الكتاب رغم أنه قد يبدو في ظاهره خارج السياق يسلط الضوء على الحاجة الماسة إلى منطق منسق لدور الإعلام في تلك الفترة حيث لعب التلفزيون المصري في الثمانينيات والتسعينيات دورًا محوريًا في تعزيز الهوية الوطنية من خلال المسلسلات ما جعل هذه الأعمال وسيلة مهمة لتشكيل الوعي الاجتماعي والثقافي.
أشار إلى أن الكتاب يثير تساؤلًا مهمًا حول العلاقة بين الجيل الحالي والوصايا الثقافية ومدى حاجته إليها مؤكدًا أهمية الدراما القومية والكتب الأخلاقية في تنمية قيم الشباب مع الحفاظ على حرية الإبداع في إطار الثقافة والإعلام.
أكد أن الكتاب يسهم في زيادة الوعي بالهوية والتاريخ المصري ويقدم دراسة متكاملة لدور التلفزيون والدراما في المجتمع.
لفت إلى تناول الكتاب لمسألة الكاريكاتير ودوره في تشكيل الوعي بوصفه أداة ثقافية نقدية تعمل في إطار الثقافة الواعية في مواجهة سيادة الوهم والتضليل مشيرًا إلى أن المجتمع المصري مسلمًا كان أو مسيحيًا بطبعه متدين وأن التدين الشعبي الأصيل يختلف تمامًا عن توظيف الدين كوسيلة للسيطرة على العقول أو استغلال المشاعر.
وفي السياق ذاته قالت الدكتورة هويدا صالح إن أول ما خطر ببالها عند قراءة عنوان الكتاب أن «الدراما القومية» ربما لا تهم الشباب في زمن وسائل التواصل الاجتماعي حيث يقل اعتماد الجمهور على التلفزيون لكنها سرعان ما استرجعت ذكرياتها خلال وجودها في السعودية عام 2013 عندما كانت تُعرض مسلسلات مصرية على التلفزيون ولاحظت الفارق الكبير بين الواقع الاجتماعي في مصر والصور النمطية التي تقدمها بعض الأعمال الدرامية.
أضافت أن التلفزيون المصري إلى جانب اللهجة المصرية لعب دورًا مهمًا في تعريف الشعوب العربية بحياة المصريين وقيمهم من خلال الأعمال الكلاسيكية لأسماء بارزة مثل عادل إمام وفاتن حمامة ومحمد صبحي والتي شكّلت جزءًا من التربية الثقافية والفنية لجمهور عربي واسع.
تابعت هويدا صالح أن الدراما خلال السنوات العشر الأخيرة ركزت على الجرائم والمخدرات والخلافات الاجتماعية مؤكدة أن كتاب الدراما يجب أن يمتلكوا ضميرًا أخلاقيًا يوازن بين تقديم محتوى واقعي وإيصال رسالة مجتمعية بعيدًا عن السعي فقط وراء نسب المشاهدة.
أكدت أن كتاب السيناريو بحاجة إلى تقديم شخصيات نسائية فاعلة وإيجابية تعكس الهوية الثقافية المصرية وتعالج الطبقات الاجتماعية بصورة فنية ومتوازنة.
أشارت إلى أهمية أن تتمتع الشخصيات الدرامية ببعد أخلاقي واضح مع التأكيد على أن المواطن وصانع الدراما قد يختلفان أحيانًا في رؤية الشخصيات أو رسائل العمل ما يتطلب تقديم حوار متزن يعكس القيم الاجتماعية دون تمجيد الشخصيات الشريرة أو تقديمها بصورة جذابة على حساب المجتمع.
اختتمت هويدا صالح بالتأكيد على أن الجمهور واعٍ لأهمية الدراما وينحاز دائمًا إلى الأعمال التي تُقدَّم بجودة عالية من حيث الصنعة والإخراج والحوار مشددة على أن جودة العمل الفني تلعب دورًا محوريًا في جذب المشاهد وإيصال الرسالة الثقافية والاجتماعية بفاعلية.

