يقدم مسلسل «صحاب الأرض» تجربة درامية فريدة تتناول حكاية إنسانية وسط واحدة من أكبر المآسي في القرن الحادي والعشرين، وهي العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.

ينتمي المسلسل إلى الأعمال التي تفضل الاقتراب الهادئ من القضايا الكبرى، متجنبة الخطاب السياسي المباشر لصالح سرد درامي يركز على الإنسان، حيث لا يتعامل «صحاب الأرض» مع الحرب كحدث مجرد، بل كواقع يومي يؤثر على تفاصيل الحياة ويعيد تشكيل مصائر الأفراد في لحظات خاطفة.

تدور الأحداث حول تقاطع مسارين إنسانيين في زمن الحرب، حيث تدخل قافلة إغاثة مصرية غزة لتقديم الدعم الطبي والإنساني، بينما يسعى رجل فلسطيني لإنقاذ ابن شقيقه وسط أهوال القصف، وفي قلب الدمار تنشأ علاقات حب وأمل، مما يعكس هشاشة البشر أمام آلة الحرب وقدرتهم على التمسك بالأمل.

لا يسعى المسلسل لتقديم صورة بطولية تقليدية، بل يركز على أناس عاديين يواجهون اختيارات قاسية تتعلق بالحياة والموت، مما يمنح العمل مساحة أكبر للصدق ويقربه من روح الشهادة الإنسانية أكثر من كونه عملاً ترفيهياً.

على المستوى الفني، يعتمد «صحاب الأرض» على إيقاع متزن يسمح للصورة والحدث بالتنفس دون افتعال، مع التركيز على التفاصيل اليومية في مواقع التصوير وبناء المشاهد، مما يعزز الإحساس بالواقعية، كما يتناول فكرة الحب والعلاقات الإنسانية كنتيجة طبيعية للمشاركة في الألم.

العمل من تأليف عمار صبري وإخراج بيتر ميمي، الذي حقق شهرة في السنوات الأخيرة بعدد من الأعمال الدرامية المهمة، مثل سلسلة «الاختيار» ومسلسل «الحشاشين»، الذي أثار جدلاً واسعاً وحظي بردود فعل إيجابية.

رغم أن «صحاب الأرض» يُعرض في موسم رمضان، إلا أنه يبدو خارج حسابات السباق المعتاد على نسب المشاهدة، حيث يطرح نفسه كمشروع درامي يحمل موقفاً أخلاقياً وإنسانياً، مما يمنحه فرصة أكبر للبقاء في الذاكرة.

الأهم أن «صحاب الأرض» يعيد طرح سؤال قديم حول دور الدراما في زمن الأزمات: هل تكتفي بالترفيه، أم تتحول إلى مساحة للتأمل والشهادة؟ يقدم العمل محاولة جادة للاقتراب من الجرح الفلسطيني، ليس كقضية سياسية فحسب، بل كمأساة إنسانية مفتوحة

يرى الناقد مصطفى الكيلاني أن «صحاب الأرض» مشروع درامي طموح يتمحور حول اختيار فني جريء يتمثل في اتخاذ غزة مركزاً للأحداث، مما يفتح بعداً إنسانياً عالمياً يجعل من المكان رمزاً لمعاناة الإنسان في مواجهة الفقد والدمار.

أكد الكيلاني أن نجاح العمل في هذا المسار يعتمد على تقديم المأساة كحكاية إنسانية حية، بعيداً عن المباشرة والخطاب الوعظي، مع التركيز على دراما صادقة تنحاز للإنسان العادي وتفاصيل معاناته اليومية.

وأشار إلى أن اختيار الفنان إياد نصار لتجسيد شخصية الرجل الفلسطيني يعد من أبرز نقاط قوة المسلسل، لما يمتلكه من ثقل تمثيلي وقدرة على الغوص في أعماق الشخصيات المركبة، مما يساعد على تقديم صورة متوازنة للإنسان الفلسطيني بعيداً عن النمطية.

وعن مشاركة منة شلبي، قال الكيلاني إنها إضافة نوعية للمسلسل، لما تتمتع به من حساسية أدائية تؤهلها لتقديم دور إنساني دقيق، مشيراً إلى أن وجود هذه الشخصية يفتح آفاقاً درامية تتعلق بفكرة التضامن الإنساني.

أشاد الكيلاني باهتمام المسلسل بخط الحب الذي يجمع بين الشخصيتين، معتبراً إياه عنصراً درامياً حساساً، إذ يمكن أن يتحول إلى جسر عاطفي مؤثر إذا كتب بوعي، أو يصبح عبئاً درامياً إذا قدم بصورة تقليدية.

تابع الكيلاني أن «صحاب الأرض» يمتلك مقومات لجذب اهتمام جمهور رمضان، خاصة في ظل تنامي وعي المشاهد وميوله نحو الأعمال التي تخاطب ضميره، غير أن هذا الرهان مرتبط بعوامل أساسية، منها الإيقاع الدرامي والصدق الفني، فإذا نجح المسلسل في سرد حكاية الإنسان في مواجهة الفقد، فإنه سيكون مرشحاً لحجز مكانه بين أبرز أعمال الموسم.