يغوص كتاب «إسرائيل.. السحر والدين والدم» في منطقة معقدة تتداخل فيها الأسطورة مع التاريخ والدين مع السياسة والعلم مع السحر. فكل محاولة لفهم إسرائيل بعيدًا عن هذه الثلاثية ستظل قاصرة وعاجزة عن تفسير نشأتها وصمودها وقدرتها على التأثير في الوعي العالمي.
لم يبدأ الدكتور محمد عبود، خبير الشئون الإسرائيلية ومدرس اللغة العبرية والدراسات الإسرائيلية بجامعة عين شمس، هذا المشروع بدافع أيديولوجي أو رغبة في الهجوم، بل بدافع الفضول المعرفي. يسعى عبود للإجابة عن تساؤلات حول كيفية بناء إسرائيل وجودها على نصوص قديمة وتحويل الحروف العبرية إلى منظومة حديثة. كما يتساءل عن كيفية استمرار دولة تقدم نفسها كقوة علمية متقدمة في ظل أساطير تتعلق بالجن والشياطين.
يعتبر عبود باحثًا أكاديميًا ومترجمًا، وله إسهامات بحثية وأدبية عديدة، منها مشاركته في مشروع قومي لترجمة الوثائق الإسرائيلية الخاصة بحرب أكتوبر. وقد كتب مؤلفات مهمة، منها: التمرد على الصهيونية في الأدب الإسرائيلي المعاصر
يؤكد المؤلف في مقدمة كتابه أن فهم إسرائيل لا يتحقق من خلال دراسة مؤسساتها السياسية أو تقاريرها العسكرية فقط، بل من خلال الغوص في وعيها الباطن. يتناول النصوص التي تربت عليها الأجيال والحروف التي تُدرس في مدارسها ومعاهدها الدينية. يشير إلى وجود «محرك غيبي» يحرك هذا الكيان منذ نشأته، محرك لا يُرى لكنه يؤثر في التاريخ.
يبدأ الكتاب بالفصل الأول في دروب ما يعرف بـ«التصوف اليهودي»، أو العلوم الباطنية المعروفة باسم «القبّالة». كانت هذه العلوم في البداية محجوبة عن العامة، يقتصر الاطلاع عليها على قلة من «الناضجين روحياً». كان الحاخامات يرون أن كشف الأسرار لغير أهله قد يسبب ضررًا.
مع مرور الزمن، انكشفت الأسرار ولم تعد القبّالة علمًا باطنياً. يكفي أن تكتب الكلمة على محرك بحث حتى تجد فيديوهات قصيرة ووصفات سحرية قديمة. يظهر حاخامات يستخدمون أسماء الذات الإلهية ورموزًا دينية لاستدعاء قوى خفية.
في الفصل الأول، يبدأ عبود برحلة في أسرار الحروف العبرية وكيف يستخدم الحاخامات علم الحروف والأرقام في ممارسات دينية وصوفية. ينطلق في قراءة النصوص الصوفية اليهودية بلغتها الأصلية، ويفتح أمامنا أبوابًا لفهم عالم الأساطير الدينية وقصص السحر.
أما الفصل الثاني، فيتناول الدين والدماء على صفحات التوراة، حيث يأخذ الكتاب القارئ في رحلة بين أسفار التوراة اليهودية. يتناول الخلافات بين التيارات والجماعات الدينية المختلفة والموقف العدائي تجاه المسلمين والمسيحيين.
الفصل الثالث بعنوان «السابع من أكتوبر بحور الدم» هو قمة الكتاب، حيث يكشف عبود عن العلاقة بين الممارسات الصوفية اليهودية والحرب العدوانية بعد السابع من أكتوبر. يوضح كيف ضرب الفساد أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، بدءًا من جهاز الشاباك وصولاً لجهاز المخابرات الحربية.
يؤكد المؤلف أن إسرائيل تمثل ظاهرة مزدوجة، فهي دولة نووية متقدمة من جهة، ومجتمع يعيش تحت تأثير نصوص قديمة من جهة أخرى. هذا التناقض يخلق أزمة في الدولة التي ترتدي ثياب التقدم والحداثة، بينما تخضع لفتاوى حاخامات تحدد مصير الحرب والسلام بناءً على رؤى توراتية غيبية.

