في كل عام، ومع اقتراب شهر رمضان، تتجدد معاني الرحمة والتكافل في قلوب أهل أسوان، وتزدهر موائد الرحمن التي تُقام لوجه الله تعالى. من بين هذه النماذج، تبرز “مائدة المصري” كواحدة من أقدم صور العطاء في المدينة، حيث تمتد حكايتها لأكثر من 31 عاماً من الخير المتواصل.

يقول الحاج المصري إنه يقيم مائدة لوجه الله، بدأت بعدد محدود من الوجبات، ومع مرور السنوات، كبرت الفكرة وزاد عدد المستفيدين، حتى أصبحت تُعد أكثر من 350 وجبة يومياً، وقد تصل في بعض الأيام إلى 500 وجبة.

وجبات تُجهز وتُرسل يومياً لمستحقيها

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هي قصص يومية لأسر وعابري سبيل وعُمّال بسطاء يجدون في المائدة باباً مفتوحاً للخير دون سؤال أو حرج. المائدة ليست حكراً على فئة بعينها، بل أبوابها مفتوحة لكل من يريد أن يفطر فيها. هناك من يجلس ليأكل في المكان، وهناك وجبات تُجهز وتُرسل يومياً لمستحقيها إلى منازل أسر لا تستطيع الحضور، حفاظاً على كرامتهم. الحاج المصري يقف بنفسه على التجهيز ويوزع مع فريقه بيده يومياً طوال شهر الخير.

داخل المطبخ، تبدأ الحكاية يومياً قبل ساعات طويلة من أذان المغرب. الشيف إبراهيم محمود، أحد الأعمدة الأساسية في هذا العمل، يقف وسط فريقه، يوزع المهام ويتابع التفاصيل بنفسه. يقول “نحن جاهزون لكل الناس في أي وقت، كي تخرج الوجبات متكاملة وتليق بالناس اللي بتفطر عندنا”. الوجبة تبدأ بالتمر اقتداءً بسُنة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم الطبق الرئيسي الذي يتنوع بين الفراخ أو اللحمة، مع الأرز ونوع من الخضار الطازج المطبوخ، إلى جانب السلاطة والمخلل، والعصير.

تنوع المشروبات طوال الشهر الكريم

من التفاصيل التي تحرص عليها المائدة، التنوع في المشروبات طوال الشهر الكريم. بدأ أول يوم بعصير الفراولة والمانجو، وعلى مدار الأيام، يتغير العصير بين البرتقال الطازج، والتمر هندي، والكركديه، وهي من المشروبات الأسوانية المفضلة. هذا التنوع ليس رفاهية، بل رسالة تقول إن الصائم يستحق الأفضل دائماً.

رغم كِبر العمل، يصر الحاج المصري على متابعة كل شيء بنفسه. يتفقد المكان، يطمئن على جودة الطعام، يتحدث مع المتطوعين، ويحرص على استقبال الضيوف بابتسامة صادقة. بالنسبة له، الاستمرارية هي التحدي الأكبر. يقول “31 عاماً رقم كبير”، ويواصل “لكن ربنا بيكرم، وطالما فيه ناس محتاجة لازم نكمّل”.

في كل يوم، ومع اقتراب أذان المغرب، تمتلئ الطاولات بالوجبات المرتبة بعناية. يجلس الصائمون في هدوء، تسبقهم نظرات امتنان لا تحتاج إلى كلمات. لحظة الأذان هنا لها طعم مختلف، فهي ليست فقط لحظة إفطار، بل تجسد معنى التكافل الحقيقي. تتعالى الأدعية الصادقة من القلوب، “ربنا يجازيهم خير”، “ربنا يبارك لهم”، وهي أعظم مكافأة ينتظرها الحاج المصري وفريقه.

بعد 31 عاماً، لا يزال الحاج المصري يحمل الحماس ذاته الذي بدأ به. لا يتحدث عن تعب أو مشقة، بل عن نعمة الخدمة. يرى في كل وجبة تُقدم باباً مفتوحاً للثواب، وفي كل دعوة صادقة كنزاً لا يُقدر بثمن. النجاح الحقيقي لا يكمن في عدد الوجبات، بل في الاستمرار والإخلاص. مائدته ليست مجرد مكان يُقدم فيه الطعام، بل هي قصة وفاء لقيمة العطاء.

يجلس عم حسن محمد، أحد المستفيدين من المائدة، قبل أذان المغرب بدقائق، ويضم كفيه بالدعاء في هدوء. يعمل بالأجرة اليومية، وأحياناً تمر أيام لا يكفي فيها الدخل لسد احتياجات أسرته. يقول “إن مائدة الحاج المصري في أسوان لم تكن يوماً مجرد وجبة إفطار، بل كانت سنداً حقيقياً في أيام ضاقت فيها الأحوال”. يشعر هنا أنه بين أهله، لا يسأله أحد عن ظروفه، ولا ينظر إليه أحد بشفقة.

أما “أم محمد”، وهي أرملة تعول ثلاثة أبناء، فتصلها الوجبات يومياً إلى منزلها. تقول إن الوجبة المتكاملة تخفف عنها عبئاً كبيراً في شهر رمضان، وتمنح أبناءها إحساساً بفرحة الإفطار مثل باقي الأطفال. تضيف أن هذا العطاء لا يُشعرها بالحاجة، بل بالاحتواء.

في زمن يبحث فيه كثيرون عن نماذج مضيئة، تظل هذه المائدة واحدة من أجمل صور الخير المتواصل، حكاية تُروى كل عام، ويكتب فصولها أناس اختاروا أن يكونوا سبباً في فرحة صائم، ودعوة صادقة، وأمل يتجدد مع كل أذان مغرب.