أكد الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن القرآن الكريم يحتوي على جوانب مدهشة من الإعجاز البلاغي والمعنوي، مشيرًا إلى أن الآية الكريمة: «وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين» تُعد من الآيات الفريدة التي تجمع معاني متعددة في تركيب واحد بديع

وأضاف خلال حلقة بعنوان حوار الأجيال ببرنامج «لعلهم يفقهون»، المذاع على قناة DMC، أن هذه الآية تُعتبر الوحيدة في القرآن التي اجتمع فيها أمران ونهيان وبشارتان في نص واحد، حيث أن الأمرين هما: «أن أرضعيه» و«فألقِيه في اليم»، والنهيان هما: «ولا تخافي» و«ولا تحزني»، أما البشارتان فهما: «إنا رادوه إليك» و«وجاعلوه من المرسلين»، مؤكدًا أن هذا البناء القرآني يكشف عن دقة مذهلة في التعبير

الدقة اللغوية في القرآن

وأوضح الجندي أن العجيب في الآية ليس فقط هذا البناء البلاغي، بل طبيعة الأمر نفسه، حيث يقول الله لأم موسى: «فألقِيه في اليم»، وهو أمر يبدو في ظاهره شديد الصعوبة على أي أم، بل هو عكس ما تمليه الفطرة الإنسانية التي تدفع الأم إلى حماية طفلها، مشيرًا إلى أن لفظ الإلقاء في اللغة يدل على الرمي، وليس مجرد الوضع، مما يزيد من قوة المعنى ويؤكد أن الطفل سيكون في رعاية الله المباشرة

وأشار إلى أن هذا التكليف جاء في لحظة هي أعلى درجات الارتباط بين الأم ورضيعها، حيث قال تعالى أولًا «أن أرضعيه»، والرضاعة تمثل أقصى درجات الالتصاق بين الأم وولدها، ولذلك قال الله تعالى في موضع آخر: «يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت»، لافتًا إلى أن التعبير بكلمة «مرضعة» هنا له دلالة لغوية دقيقة، إذ إن كلمة «مرضع» قد تُقال لمن عندها طفل ترضعه عمومًا، أما «مرضعة» فتدل على لحظة الإرضاع نفسها حين يكون الطفل ملتصقًا بثدي أمه

وبيّن أن هذه الدقة اللغوية تُظهر أن القرآن الكريم يصور أعلى درجات الارتباط العاطفي بين الأم وولدها، ومع ذلك يأتي الأمر الإلهي: «فإذا خفت عليه فألقيه في اليم»، وهو أمر شديد الصعوبة على النفس البشرية، موضحًا أن أم موسى لم تكن مسلوبة الإرادة ولا فاقدة العقل، بل كانت امرأة عاقلة حكيمة، لكنها امتثلت لأمر الله طاعةً وتسليمًا

الفرق بين الأمر التصريفي والتكليفي

وأشار إلى أن العلماء يفرقون بين الأمر التصريفي والأمر التكليفي، فالأمر التصريفي هو ما يقع خارج إرادة الإنسان كحركة القلب أو طلوع الشمس أو نزول المطر، أما الأمر التكليفي فهو ما يُطلب من الإنسان فعله باختياره، مؤكدًا أن ما حدث مع أم موسى كان تكليفًا إلهيًا لا مجرد تصريف قدر، ولذلك كان امتثالها له دليلًا على قوة الإيمان والتسليم لأمر الله.

وأضاف أن هذا التكليف الشديد في قصة أم موسى يكاد يوازي في شدته ما حدث مع نبي الله إبراهيم حين أُمِر بذبح ابنه، موضحًا أن مثل هذه المواقف العظيمة تكشف عن معاني الطاعة الكاملة لله، حيث يسمع المؤمن أمر ربه فيقول: سمعنا وأطعنا، مهما بدا الأمر شاقًا أو مخالفًا لما تميل إليه النفس البشرية