أكد الدكتور عمرو منير أستاذ التاريخ والحضارة أن المصريين لم يكونوا يستقبلون شهر رمضان بعشوائية في العصور القديمة بل كان لديهم نظام علمي دقيق يعتمد على أدوات ابتكرها علماء مصر في العصر المملوكي حين كانت القاهرة مركزًا للعلم والفلك.
وأوضح خلال حلقة برنامج «رمضان حكاية مصرية» المذاع على قناة «الناس» أن المساجد الكبرى في ذلك الوقت كانت تضم شخصًا يُعرف بالميقاتي وهو المسؤول عن تحديد اتجاه القبلة ومواعيد الصلاة ورؤية الهلال لشهر رمضان والعيدين.
وأشار إلى أن من أبرز هؤلاء الميقاتية عالم مصري بارز هو عبدالعزيز بن محمد القاهري الوفائي الذي وُلد عام 811 هجريًا وتوفي عام 876 هجريًا وعُرف بألقاب عدة مثل أبو الفضل وأبو الفوائد وعز الدين وقد نشأ في القاهرة وتولى مهمة التوقيت في جامع المؤيد شيخ عند باب زويلة.
عقول فلكية مبدعة
أضاف الدكتور عمرو منير أن الوفائي لم يكن مجرد شخص يحسب المواقيت بل كان عقلًا فلكيًا مبدعًا يجمع بين العلم والابتكار حيث كتب وشرح وابتكر أدوات علمية متقدمة في زمانها.
وأشار إلى أنه لاحظ أن الطرق القديمة في تحديد اتجاه القبلة قد يحدث فيها اختلاف أحيانًا فقرر ابتكار آلة جديدة دقيقة أطلق عليها اسم «دائرة المعدل» وهي أداة معدنية صُممت لضبط اتجاه القبلة بدقة عند بناء المساجد الجديدة وذلك قبل ظهور التلسكوبات الحديثة.
وتابع أن الوفائي كتب رسالة صغيرة شرح فيها طريقة تصنيع هذه الآلة وكيفية استخدامها لضبط اتجاه القبلة وحساب مواقيت الشمس والقمر مبينًا أن الفكرة لم تبقَ في القاهرة فقط بل انتقلت إلى العالم الإسلامي حيث أعجب بها أحد كبار الميقاتية العثمانيين ويدعى علي المؤقت أبو الفتح فصنع نسخة عثمانية من «دائرة المعدل» ونقش اسمه عليها لتتحول هذه الآلة إلى أيقونة فلكية في القرن الخامس عشر.
ولفت إلى أن هذا الابتكار المصري انتشر بعد ذلك في أنحاء العالم الإسلامي وأسهم في حساب اتجاه القبلة ورؤية الهلال بدقة كبيرة موضحًا أن بداية شهر رمضان في الماضي لم تكن تعتمد على الشائعات بل كانت تبدأ عندما يصعد الميقاتي إلى المئذنة حاملًا أدواته العلمية ليحدد لحظة دخول الشهر بدقة فلكية.
منظومة متكاملة
وأوضح أن «دائرة المعدل» كانت جزءًا من منظومة علمية متكاملة تُستخدم لضبط اتجاه القبلة في المساجد الجديدة وتساعد على حساب الظلال ومواقيت الصلاة ومعرفة منازل الشمس والقمر وبالتالي تحديد بدايات الشهور الهجرية.
وبيّن أستاذ التاريخ والحضارة أن شهر رمضان في مصر كان يبدأ وفق منظومة متكاملة من العلم والفلك والتقاليد وليس مجرد رؤية بالعين فقط مؤكدًا أن الصورة المتداولة لهذه الآلة تمثل واحدة من أذكى الأدوات الفلكية التي عرفها العالم الإسلامي إذ وُلدت فكرتها في القاهرة المملوكية وانتقلت إلى إسطنبول العثمانية.
واختتم مؤكدًا أن المساجد في ذلك العصر لم تكن مجرد أماكن للعبادة بل كانت مراكز للعلم والتجريب والدقة مشيرًا إلى أن شهر رمضان لم يكن يومًا روحانيات فقط بل يحمل أيضًا تاريخًا علميًا وإنسانيًا يروي كيف كان المصري يرى الهلال بالعلم قبل أن يراه بالعين لتبقى قصة رمضان في مصر حكاية ممتدة بين العلم والتاريخ.

