في ظل التحديات الاقتصادية العالمية وارتفاع تكاليف الطاقة، تسعى الدول إلى تبني سياسات استباقية لمواجهة الضغوط المتزايدة على الموازنات العامة وأسواق الصرف، ويعتبر خبراء الاقتصاد أن التحرك المبكر في ملف تسعير الطاقة أداة مهمة لحماية الاقتصاد من تداعيات قد تكون أكثر خطورة في المستقبل إذا تأخر اتخاذ القرار.

قال الدكتور وليد جاب الله، الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، إن حديث الرئيس عبدالفتاح السيسي حول رفع أسعار المواد البترولية يعكس توجهًا نحو التعامل الاستباقي مع التحديات الاقتصادية، موضحًا أن هذا القرار جاء في توقيت مبكر مقارنة بما حدث خلال الأزمة العالمية التي تلت الحرب الروسية الأوكرانية.

أضاف جاب الله، أن تأخر تصحيح أسعار الطاقة في تلك الفترة ألقى بأعباء مالية كبيرة على الدولة، حيث لم يكن من الممكن دعم سعر الصرف بشكل كاف، مما أدى إلى ظهور سوق موازية للعملة وارتفاعات كبيرة في الأسعار قبل أن يتم التعامل مع الأزمة لاحقًا.

وأشار إلى أن رفع أسعار المواد البترولية حاليًا يمثل إجراءً وقائيًا، قد يؤدي إلى ارتفاع نسبي في الأسعار، لكنه يهدف في الأساس إلى تجنب أضرار اقتصادية أكبر كان من الممكن أن تحدث إذا استمر تأجيل القرار، مثل زيادة أعباء الديون أو صعوبة إدارة سعر الصرف في ظل الضغوط الاقتصادية العالمية.

كما أكد أن الدولة تعمل على السيطرة على مستويات الدين الخارجي، مما يتيح لها مساحة مالية أكبر لتفعيل برامج الحماية الاجتماعية التي تستهدف دعم المواطنين في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، خاصة أن ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس بشكل مباشر على مختلف القطاعات الاقتصادية ويؤثر على جميع شرائح المجتمع.

أكد جاب الله أن الحكومة تتعامل مع هذه التداعيات من خلال تصميم حزمة من إجراءات الحماية الاجتماعية، تتضمن زيادات في الرواتب والحد الأدنى للأجور، بما يضمن توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر استحقاقًا، دون أن يمتد إلى الشرائح الأعلى دخلًا أو المقيمين الأجانب.

اعتبر أن نجاح هذه السياسات مرتبط بوجود برنامج إصلاح اقتصادي حقيقي يقوم على إصلاحات هيكلية عميقة، موضحًا أن هذه الإصلاحات تمثل الضمانة الأساسية لاستمرار عملية التنمية وتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص الصدمات الخارجية والتعامل مع الأزمات العالمية المتلاحقة.

قال الدكتور أشرف غراب، الخبير الاقتصادي ونائب رئيس الاتحاد العربي للتنمية الاجتماعية، إن الرئيس عبدالفتاح السيسي أوضح كافة الأمور الاقتصادية أمام الشعب خلال حفل إفطار الأسرة المصرية، ليدرك المواطنون حجم التحديات التي يمر بها الاقتصاد الوطني، وأضاف أن كلمة الرئيس تؤكد إدراكه لحجم الأعباء الملقاة على كاهل المواطن، خاصة بعد قرار رفع أسعار المواد البترولية، والذي كان لا بد منه في ظل ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا نتيجة الحرب الحالية، موضحًا أن الاستقرار له ثمن يستدعي وعيًا جماعيًا وصبرًا استراتيجيًا.

أشاد غراب بتشديد الرئيس السيسي على ضرورة تفعيل الرقابة على الأسواق، لردع أي ممارسات احتكارية أو استغلال أو انفلات في الأسعار، وهو ما يسهم في حماية المستهلك ويحقق التوازن، مشيدًا بتوجيهات الرئيس السيسي للحكومة بإطلاق حزمة اجتماعية جديدة لمواجهة الآثار الاقتصادية الناجمة عن التوترات الجيوسياسية في المنطقة والتصعيد العسكري، مؤكدًا أن إطلاق هذه الحزمة في التوقيت الحالي يعد خطوة استباقية لمواجهة ارتفاع الأسعار، خاصة أنها ستتضمن ارتفاعًا في الحد الأدنى للأجور في القطاعين العام والخاص، إضافة إلى برنامج تكافل وكرامة الذي أثبت كفاءته كشبكة أمان لتحسين مستوى معيشة الفئات الأولى بالرعاية، وأن توسيع قاعدة المستفيدين يسهم في تخفيف حدة التضخم على الأسرة محدودة الدخل.

أكد نائب رئيس الاتحاد العربي للتنمية الاجتماعية أن الحديث عن مخاطر الاقتراض بالعملة الصعبة وضرورة تجنبه، يؤكد أن الدولة عازمة على الاستمرار في تعميق التصنيع المحلي وتحفيز الاستثمارات وزيادة نسبة مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني من أجل زيادة حجم الصادرات وزيادة دخل مصر من النقد الأجنبي للاعتماد عليه بدلاً من الاقتراض، موضحًا أن حديث الرئيس يؤكد وجود توجه تدريجي نحو تقليل الاعتماد على الديون الدولارية والتركيز على جذب الاستثمار المباشر بدلاً من التمويل القائم على الاقتراض، وهذا يؤكد انتقال الاقتصاد المصري إلى مرحلة مختلفة من إدارة الأزمة، وأضاف أن حديث الرئيس عن أن مصر تستهلك منتجات بترولية بقيمة تقارب 20 مليار دولار سنويًا يكشف بوضوح حجم الضغوط التي تتحملها الدولة لتوفير الطاقة للاقتصاد الوطني، خاصة لقطاعي الصناعة والكهرباء.