توفي اليوم المفكر والفيلسوف المصري مراد وهبة (1926-2026) تاركًا إرثًا فلسفيًا عميقًا يتناول أزمات الواقع العربي بجرأة ووضوح لم يكن وهبة مجرد أكاديمي بل كان رائدًا في مشروع تنويري يسعى لتحرير العقل من قيود التخلف.

وُلد مراد وهبة في محافظة أسيوط وتلقى تعليمه الفلسفي في مصر وألمانيا وعُرف دوليًا كمؤسس ورئيس الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير مؤمنًا بأن ابن رشد هو الجسر الذي عبرت عليه أوروبا نحو النهضة وأن استعادة منهجه هي السبيل لنهضة الشرق.

دافع وهبة عن العقلانية كقيمة عليا معتبرًا أن العلمانية ليست مجرد فصل الدين عن الدولة بل هي التفكير في النسبي بما هو نسبي مما يعني رفض تقديس الاجتهادات البشرية.

يُعد كتابه جرثومة التخلف حجر الزاوية في فهم تشخيصه للأزمة العربية في هذا الكتاب لم ينظر وهبة إلى التخلف كأزمة اقتصادية بل عرفه كمرض فكري يسكن الوعي الجمعي.

كتاب جرثومة التخلف

رأى وهبة أن هذه الجرثومة تتغذى على ثلاثة محاور الأول هو سيادة الفكر الأسطوري حيث يتوقف العقل عن البحث في الأسباب العلمية ويستسلم للتفسيرات الغيبية والثاني هو تقديس النقل وتهميش العقل حيث تتربى الأجيال على الالتزام بما قاله السلف دون مراجعته مما يقتل روح الإبداع.

أما المحور الثالث فتمثل في تحويل النسبي إلى مطلق وهو ما اعتبره وهبة أخطر مراحل التخلف حيث تمنح الآراء البشرية صبغة القداسة مما يفتح الباب للأصولية والعنف.

كتاب مُلاك الحقيقة المطلقة

لم يكتفِ وهبة بتشخيص الداء بل قدم في مؤلفاته المصل الواقي عبر رؤى متعددة ففي كتابه ملاك الحقيقة المطلقة حذر من أن ادعاء امتلاك اليقين هو أول خطوات الاستبداد والإرهاب وفي كتابه الملاذ الآمن طرح العلمانية كضرورة وجودية لحماية المجتمعات من الصراعات الطائفية وعبر كتابه الأصولية والعلمانية حلل الصراع الكوني بين تيار التنوير وتيارات الانغلاق معتبرًا إياها معركة بقاء للحضارة الإنسانية كما سعى وهبة عبر المعجم الفلسفي إلى أنسنة الفلسفة وجعل أدواتها النقدية في متناول المواطن العادي.

غاب جسد مراد وهبة لكن تظل فلسفته صرخة في وجه الركود لقد كان طبيبًا حضاريًا رسم مسارًا يبدأ من محاربة الأوهام مرورًا بنزع القداسة عن الفكر البشري وصولًا إلى تأسيس عقل حر لا يخشى السؤال.