أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء عددًا جديدًا من مجلته «آفاق صناعية» حيث تناولت إحدى المقالات صناعة أشباه الموصلات في قارة أفريقيا والإمكانات الواعدة لبناء مركز صناعي عالمي بها وأشارت إلى أن القارة تمتلك موارد معدنية كبيرة وسكانًا شبابًا مما يمكنها من التحول إلى مركز عالمي لتصنيع أشباه الموصلات.

أوضح المقال أن رقائق أشباه الموصلات أصبحت حجر الأساس للاقتصاد الرقمي الحديث حيث تدعم تصنيع مجموعة متنوعة من المنتجات والخدمات مثل الهواتف الذكية والمركبات ذاتية القيادة والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة والذكاء الاصطناعي وفي الوقت الراهن تشهد صناعة أشباه الموصلات العالمية تحولًا سريعًا مدفوعًا بارتفاع الطلب والتحولات الجيوسياسية وسعي الدول إلى تنويع سلاسل التوريد ورغم هيمنة دول شرق آسيا وأمريكا الشمالية على هذه الصناعة إلا أن العديد من المناطق والدول الجديدة تتمتع بإمكانات تؤهلها للعب دور محوري في مستقبلها وتأتي أفريقيا في مقدمتها حيث تحتضن ما يقرب من ثلث المعادن الحيوية في العالم وتعد موردًا لمواد أساسية مثل الكوبالت والنحاس والجرافيت والسيليكون الضرورية لإنتاج أشباه الموصلات ومع ذلك لا يزال دور أفريقيا الفعلي في هذه الصناعة مقتصرًا على مرحلة استخراج المعادن حيث تسهم بأقل من 1% من الحصة السوقية العالمية.

استعرض مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار تجربة كينيا التي تقدم نموذجًا رائدًا في مجال صناعة أشباه الموصلات حيث اكتسبت لقب «سافانا السيليكون الإفريقي» بفضل منظومتها التكنولوجية والابتكارية المتطورة والتي تضم شركات ناشئة بارزة تدعم سلسلة القيمة الإلكترونية من التصميم وصولًا إلى التصنيع.

تصدرت كينيا دول أفريقيا في جذب تمويل الشركات الناشئة حيث حصلت على ما يقارب 800 مليون دولار في عام 2023 واستمرت في كونها وجهة أولى للاستثمارات حتى منتصف عام 2024 ويظهر التزام كينيا بالتصنيع المحلي من خلال مشروع تجميع الهواتف الذكية منخفضة التكلفة الذي تجاوز إنتاجه مليون جهاز منذ إطلاقه عام 2023 بالإضافة إلى إنشاء مراكز تطوير برمجيات لشركات عالمية مثل خدمات «أمازون ويب» و«مايكروسوفت» وتعتمد كينيا على رؤية 2030 والخطة الرقمية الرئيسة كإطار داعم للسياسات مع ميزة تنافسية بفضل اعتمادها على الطاقة الحرارية الأرضية المستدامة.

حصلت كينيا على منحة أمريكية بقيمة 1.3 مليون دولار خلال زيارة رسمية لدعم قطاع أشباه الموصلات وذلك في إطار اتفاقية الشراكة مع وكالة التنمية والتجارة الأمريكية لتصبح بذلك المستفيد الرئيس في أفريقيا من قانون الرقائق والعلوم الأمريكي وتوفر الحكومة الكينية حوافز داخل المناطق الاقتصادية الخاصة وتحتضن مدينة كونزا التكنولوجية التي أبرمت شراكات مع مؤسسات رائدة مما يخلق بيئة جاذبة للاستثمار والنمو.

تعمل كينيا على تطوير شبكة رقمية شاملة تتضمن 100 ألف كيلومتر من كابلات الألياف الضوئية الوطنية وربط أكثر من 70 ألف مؤسسة وإنشاء 1450 مركزًا مجتمعيًا لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات مما يعزز التحول الرقمي للخدمات الحكومية ومن شأن هذه البنية الرقمية القوية أن تدفع الطلب على الأجهزة الإلكترونية وأجهزة إنترنت الأشياء ما سيزيد الحاجة إلى أشباه الموصلات.

أشار المقال إلى أن أفريقيا تمتلك مقومات قوية وإمكانات مستقبلية هائلة تؤهلها لتصبح لاعبًا رئيسًا في قطاع أشباه الموصلات حيث تستند هذه الإمكانات إلى ثروتها المعدنية الهائلة وقوة عاملة شابة متزايدة ومؤهلة كما تستثمر عدد من الدول مثل جنوب أفريقيا ونيجيريا ومصر وكينيا في التعليم الفني ومراكز الابتكار.

انتشار حاضنات ومسرعات الأعمال يوفر بيئة داعمة للشركات الناشئة التي يمكن أن تسهم في عدد من الأنشطة الداعمة للصناعة كما يشكل الموقع الاستراتيجي لأفريقيا ميزة إضافية لها إذ تقع بين الأسواق الرئيسة في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا مما يجعلها خيارًا استراتيجيًا للحد من تقلبات سلاسل التوريد العالمية.

لا تقتصر إمكانات أفريقيا على الموارد الطبيعية أو الموقع بل تشمل كذلك مساهمات الجاليات الأفريقية بالخارج التي بدأت تضخ استثمارات وخبرات في مشروعات مرتبطة بأشباه الموصلات كما تعكس مبادرات بعض الدول مثل رواندا وأثيوبيا في إنشاء مناطق تكنولوجية ومراكز ابتكار أن القارة تتحرك باتجاه بناء بيئة متكاملة للتصنيع في هذا القطاع.

يمكن لأفريقيا الاستفادة من برامج مثل قانون الرقائق الأوروبي وقانون الرقائق والعلوم الأمريكي والتمويلات الضخمة التي تقدمها لتأسيس تشريعات وأطر عمل تدعم بناء شبكة توريد متكاملة محلية لصناعة أشباه الموصلات.

بينما قد لا تتمكن أفريقيا في المدى القصير من منافسة القوى الكبرى في تصنيع الشرائح الإلكترونية إلا أنها قادرة على الدخول في مراحل مهمة من سلاسل القيمة مثل تصميم الدوائر وإنتاج البطاريات الكهربائية مما يفتح الباب أمام القارة لتكوين خبرات تراكمية والتدرج نحو تصنيع أكثر تعقيدًا في المستقبل.