فيلم «جوازة ولا جنازة» يتناول مفهوم المراسم من منظور جديد، حيث يجمع بين طقوس الزواج وطقوس التشييع، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كنا أمام احتفال بحياة جديدة أم تشييع لقيم قديمة كانت سائدة في المجتمع.
تقدم المخرجة أميرة دياب رؤية مغايرة، حيث لا يقتصر الفيلم على تصوير الزواج كحدث اجتماعي، بل يتناول الصراع الطبقي في مصر. في وقت تركز فيه السينما السائدة على المظاهر، يأتي الفيلم ليعكس عمق المضمون الاجتماعي، حيث تتحرك الكاميرا بذكاء لتكشف عن التشققات في النفوس، مما يعكس زيف الاحتفالات التي تقام فوق أنقاض القيم.
تستطيع أميرة دياب، من خلال عدستها، التقاط تفاصيل قد تغفل عنها أعين الآخرين، حيث تجمع بين الاندماج والحياد، مما يجعل الفيلم شهادة حية على التغيرات الاجتماعية التي قلبت موازين الطبقات. لم يعد المبدأ أو القيمة هما الحاكمين، بل أصبح الرأسمال هو السيد المطاع.
تتجسد ذروة الدراما في الفيلم من خلال الصراع بين عائلتين تمثلان قطبين متنافرين في المجتمع المصري. نيللي كريم، بدور «تمارا»، تجسد بقايا الطبقة الأرستقراطية، بينما يمثل شريف سلامة، بدور حسن الدبّاح، الأثرياء الجدد. هذا التناقض بين ماضي تمارا الضائع وحاضر حسن الرأسمالي يخلق صراعا وجوديا حول من يفرض شروطه على الآخر.
تختار المخرجة الصحراء مكانا رئيسيا للأحداث، حيث تصبح ساحة محكمة اجتماعية ونفسية. في هذا الفضاء المفتوح، تجد الشخصيات نفسها مجبرة على مواجهة زيفها. تظهر حقيقة أن «تمارا» ليست مجرد عروس، بل هي قربان يقدم للماضي المنهار ليرضي الحاضر القوي ماديا.
تؤدي نيللي كريم دور «تمارا» بعمق نفسي، حيث تستعد للزواج ليس بحثا عن حب جديد، بل كفعل تضحية من أجل ابنها وعائلتها. تعيش صراعا داخليا عندما يظهر حب قديم من ماضيها، مما يضعها في مأزق أخلاقي ونفسي حول ما إذا كانت ستتبع قلبها أم ستستمر في صفقة الزواج.
يطرح الفيلم سؤالا فلسفيا حول ما إذا كان الزفاف هو جواز المال من الطبقة العليا لشرعية اجتماعية، أم هو جنازة لقيم الطبقة المتوسطة العليا. يميل الفيلم للإجابة الثانية، حيث تعكس المظاهر التي يصر عليها حسن الدبّاح محاولة لفرض سطوة المال على القيم الأصلية.
يقدم الفيلم لمحات إنسانية مرحة، لكنها ليست كوميديا تقليدية، بل كوميديا سوداء تنبع من قلب المأساة. أداءات لبلبة، انتصار، ومحمود البزاوي تعكس صراع البقاء في مجتمع انقلبت موازينه، مما يجعل المأساة مادة قابلة للمشاهدة والاستمتاع.
تتميز الفيلم بكون كاتبته ومخرجته امرأة، مما ينعكس في الاهتمام بسيكولوجية الشخصيات النسائية. ومع ذلك، لا يقع الفيلم في فخ النسوية الصارخة، بل يقدم رؤية إنسانية شاملة.
لا يغازل الفيلم السينما السائدة بتنازلات فنية، لكنه يحترم عقل المشاهد ويقدم له تجربة بصرية وفكرية غنية. ينتهي الفيلم ليترك غصة في حلق المشاهد، لكنها غصة ضرورية للاستفاقة، حيث ترسم أميرة دياب لوحة لمصر المتغيرة، التي يصارع فيها الجمال ليبقى حيا في مواجهة القبح المادي.
إن الفيلم هو محاولة لإنقاذ ما تبقى من قيم الطبقة المتوسطة وتحذير من تحول الروابط الإنسانية إلى صفقات تبرم في الصحراء. يحكي الفيلم عن الجنازة التي نشيع فيها أخلاقنا، وعن الجوازة التي نبيع فيها أرواحنا، وكل ذلك تحت غطاء من الاحتفالات الزائفة.

