أظهرت القراءة الرقمية لخريطة المجلس الجديد استمرار حزب «مستقبل وطن» في صدارة المشهد لكنه لم يعد يمتلك الأغلبية التي كان يتمتع بها في الفصل التشريعي الثاني حيث حصل الحزب على 231 مقعداً بواقع 106 مقاعد بالنظام الفردي و121 مقعداً عبر القوائم و4 بالتعيين مقارنة بـ316 مقعداً في برلمان 2020 وبذلك يتحول «مستقبل وطن» من أغلبية مطلقة إلى أكثرية نسبية في خطوة تحمل دلالات سياسية مهمة خاصة أن الحزب لم يخسر ثقله الانتخابي بل اتجه منذ البداية إلى خوض الانتخابات بمنطق «المشاركة لا المغالبة» ولم يدفع بمرشحين على جميع المقاعد الفردية مكتفياً بالمنافسة على 125 مقعداً فقط نجح في حسم نحو 87% منها مع خسارة 18 مقعداً فقط إلى جانب حالة وفاة لنائب قبل جولة الإعادة.
قبة «النواب» تجمع 15 حزباً.. و«مستقبل وطن» يحصد 231 مقعداً
شهدت هذه الدورة البرلمانية صعوداً لافتاً لعدد من الأحزاب وعلى رأسها حزب «حماة الوطن» الذي حقق أكبر قفزة عددية مقارنة بالبرلمان السابق بعدما ارتفع تمثيله من 23 مقعداً في 2020 إلى 91 مقعداً في مجلس 2026 موزعة بين 33 مقعداً فردياً و54 مقعداً بالقائمة و4 بالتعيين وخاض الحزب المنافسة على 74 مقعداً فردياً فاز منها بـ33 مقعداً بنسبة نجاح بلغت نحو 45% ليصبح أحد الأعمدة الرئيسية في الخريطة البرلمانية الجديدة.
وفرض حزب «الجبهة الوطنية» نفسه بقوة في أول تجربة انتخابية له بمجلس النواب بعدما حصل على 70 مقعداً بواقع 22 مقعداً فردياً و43 مقعداً بالقائمة و5 بالتعيين محققاً نسبة فوز في الفردي بلغت 50% من المقاعد التي خاض المنافسة عليها حيث يمثل دخول الحزب بهذه القوة نموذجاً لأحزاب «سنة أولى برلمان» التي استطاعت استثمار المناخ السياسي وتوازنات التحالفات للعب دور مؤثر منذ الدورة الأولى لها.
في المقابل سجلت الانتخابات تراجعاً واضحاً لبعض القوى الحزبية التقليدية فقد انخفض تمثيل حزب «الشعب الجمهوري» من 50 مقعداً في البرلمان السابق إلى 28 مقعداً فقط في المجلس الجديد موزعة بين 9 مقاعد فردية و15 مقعداً بالقائمة و4 بالتعيين كما تراجع حزب «الوفد» إلى 12 مقعداً بواقع 4 مقاعد بالنظام الفردي و8 مقاعد بالقائمة بعد أن كان يشغل 26 مقعداً في الفصل التشريعي الثاني ويمتد هذا التراجع إلى حزب «مصر الحديثة» الذي خرج من البرلمان بالكامل بعد أن كان ممثلاً بـ11 مقعداً في الدورة السابقة.
«الوفد والمصري الديمقراطي» يتصدران أحزاب المعارضة في عدد المقاعد
وعلى صعيد المعارضة برز حزب «العدل» كأحد أبرز مفاجآت الانتخابات بعدما قفز تمثيله من مقعدين فقط في «برلمان 2020» إلى 11 مقعداً في مجلس 2026 موزعة بين 3 مقاعد فردية و8 مقاعد بالقائمة ويُنظر إلى هذا الصعود باعتباره مؤشراً على تحسن نسبي في فرص المعارضة المنظمة داخل البرلمان خاصة مع تنامي دور الأحزاب ذات الخطاب السياسي المختلف كما حافظ الحزب «المصري الديمقراطي» على حضوره داخل القبة بحصوله على 12 مقعداً بواقع 3 مقاعد بالنظام الفردي و9 مقاعد بالقائمة.
«الإصلاح والتنمية» يفوز بـ11 مقعداً
وتواصل التنوع الحزبي مع حصول حزب «الإصلاح والتنمية» على 11 مقعداً موزعة بين 3 مقاعد فردي و8 مقاعد بالقائمة فيما نجح حزب «النور» في حصد 6 مقاعد جميعها بالنظام الفردي محافظاً إلى حد كبير على تمثيله مقارنة ببرلمان 2020 الذي كان ممثلاً فيه بـ7 مقاعد كما حصل حزب «التجمع» على 5 مقاعد بواقع مقعد فردي و4 مقاعد بالقائمة بينما نال حزب «المؤتمر» 4 مقاعد منها مقعد فردي و3 مقاعد بالقائمة.
تمثيل «الوعي والمحافظين» بمقعد وحيد لكل منهما
أما الأحزاب ذات التمثيل المحدود فقد تمكن حزب «الحرية» من الفوز بمقعدين عبر القوائم فيما حصل حزب «إرادة جيل» على مقعد واحد بالقائمة ونجح كل من حزب «الوعي» و«المحافظين» في اقتناص مقعد فردي لكل منهما ليكتمل بذلك تمثيل 15 حزباً داخل مجلس النواب الجديد وهو رقم غير مسبوق مقارنة بـ«برلمان 2020» الذي لم يشهد سوى نجاح 9 أحزاب فقط في الفوز بمقاعد فردية.
«برلمان 2026» يعكس تحولاً تدريجياً في بنية الحياة الحزبية
تحمل هذه الخريطة البرلمانية دلالات سياسية أعمق في مقدمتها أن غياب حزب صاحب أغلبية مطلقة يفتح المجال أمام برلمان قائم على التوازنات والتحالفات المرنة سواء داخل معسكر الأحزاب الكبرى أو بين الأحزاب المتوسطة والمستقلين إلى جانب الدور المتوقع لتنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين التي تضم مزيجاً من المستقلين والحزبيين وقد تمثل عنصر ترجيح في عدد من القضايا والتصويتات.
في المحصلة النهائية لا يمثل «برلمان 2026» مجرد تغيير في الأرقام والمقاعد بل يعكس تحولاً تدريجياً في بنية الحياة الحزبية المصرية وانتقالاً من مرحلة السيطرة العددية إلى مرحلة التوازن السياسي بما يضع الجميع أمام اختبار جديد في إدارة الاختلاف وبناء التوافق داخل قاعة البرلمان.

