تتناول رواية “موت العالم” للكاتب عبد الرحيم كمال تجربة إنسانية عميقة تتجاوز حدود السرد التقليدي لتطرح تساؤلات وجودية حول الحياة والموت.
تتجلى الفكرة الأساسية في أن الرعب الحقيقي لا يكمن في فناء الجسد بل في إدراك الإنسان لوحدته وسط أموات يتحركون بلا روح. هذه الرؤية تشكل جوهر الرواية التي تُعرف شعبياً بمذكرات محمود غزالة، حيث تتجاوز السرد الحكائي إلى وثيقة تعبر عن اغتراب الروح في عصر الحياة الميتة. يسعى الكاتب إلى إعادة تعريف الحياة كحالة من اليقظة والدهشة، مما يجعل البشر يتحولون إلى دمى متحركة، أو كما يصفهم: أرواح مستعملة
تبدأ الرواية بفصل “السجين”، حيث يجد سجين في زنزانته مخطوطاً بلا غلاف، مما يرمز إلى عالمنا كنص مبتور. هذا السجين يمثل القارئ الذي يسعى لخلق المعنى في عالم العبث، ويكتشف أن القيمة تكمن في النور الذي ينبعث من السطور. هنا يظهر الملمح الصوفي: العالم سجن، والمعرفة هي النافذة على الحقيقة
ينتقل السرد إلى محمود غزالة، الذي يتعرض لحادث مروري في صباح شتوي ضبابي. هذا الحادث يمثل لحظة التنوير، حيث يدرك غزالة أن من حوله يعيشون بلا روح. فلسفته تقترب من الوجودية، حيث يرى أن الإنسان هو المعنى، وأن التكرار والنمطية تؤديان إلى العدم. يطرح غزالة تساؤلاً وجودياً: هل الرعب في أن تُدفن حياً بين الأموات، أم أن تعيش حياً بينهم؟
تتعمق الرواية في علاقة غزالة بجاره سمير أسعد، حيث يرى غزالة أن سمير يمثل الموت السريري. هنا يطرح الكاتب معضلة أخلاقية: هل يحق للحي أن ينهي معاناة الميت؟ غزالة لا يرى نفسه قاتلاً بل منقذاً، مما يثير تساؤلات حول معنى الحياة والموت
تتجلى الرؤية الفلسفية في مشهد اعتراف المساجين بلحظة موتهم، حيث يتذكر كل سجين تلك اللحظة التي انطفأ فيها شغف الحياة. هذا الاعتراف الجماعي يؤكد نظرية غزالة بأن العالم سجن كبير مليء بجثث تتحرك بلا روح. يظهر غزالة كوليّ وسط مجاذيب فقدوا الطريق، مما يعكس تناقض الحياة والموت.
تظهر شخصية صباح، الممرضة في مستشفى السجن، كرمز للحياة. اللقاء بينها وبين غزالة يمثل تعارف الأرواح في عالم التناكر، حيث تعلن القبلة بينهما انتصار الحياة على الموت. في هذا السياق، يطرح غزالة مفهوم الأرواح المستعملة، موضحاً كيف يفقد البشر روحهم بسبب الانغماس في صراعات تافهة.
تنتقل الرواية إلى نقد الحداثة وعالم ما بعد الإنسانية من خلال شخصية سعد بهاء، الذي يمثل الخالق الدنيوي الذي يهرب من واقعه بصناعة عالم وهمي. هؤلاء الشباب الذين يفضلون العزلة الرقمية يمثلون الموتى الجدد، مما يعكس هشاشة هذا العالم البديل.
تصل الرواية إلى ذروتها في مشهد المحاكمة، حيث يصرخ غزالة: “الحي هو اللي يقدر على تكاليف الحياة”، مما يعكس تناقض البراءة والإدانة. وعندما تأتي لحظة الإعدام، يكسر الكاتب أفق التوقع، حيث يصعد غزالة إلى أعلى، مما يمثل انتصار الروح على الجسد
تتعدد الشخصيات في الرواية، حيث تمثل كل منها جانباً من جوانب الحياة والموت. مريم، زوجة غزالة، تمثل التبلد، بينما أحمد عبد الحميد يختار الجنون كسبيل للنجاة. حتى القاضي طارق العمري يهتز أمام منطق غزالة، مما يعكس تأثير الفلسفة على السلطة.
تختتم الرواية برسالة تدعو إلى إعادة اختراع الحياة، حيث يشدد غزالة على أهمية التواصل والصدق والحب. هي دعوة للتراحم الكوني، لأننا جميعاً مشاريع أموات نحاول النجاة. تتركنا الرواية معلقين بين الأرض والسماء، نتساءل: هل ما زلنا نعيش أم أننا مجرد مضخات دماء في أجساد باردة؟
إن “موت العالم” ليست نعياً للكون، بل دعوة للحياة، لتلمس أرواحنا قبل أن نتحول إلى أرشيف في ذاكرة العدم.

