نفى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف ما يتردد حول انفتاح الأزهر على الفاتيكان فقط، مؤكدًا أن هذا الانطباع غير دقيق، ويعود إلى تركيز الإعلام الدولي على تلك العلاقة باعتبار الفاتيكان المؤسسة الدينية الأكثر حضورًا إعلاميًا عالميًا.
وأوضح الطيب خلال حوار لجريدة صوت الأزهر أن الأزهر يتمتع بعلاقات طيبة وحوار مستمر مع قادة وزعماء الأديان والطوائف حول العالم، مشيرًا إلى أن المؤتمرات والمنتديات التي يشارك فيها الأزهر منذ أكثر من 15 عامًا تضم تنوعًا دينيًا واسعًا، مما يعكس فلسفة الحوار والانفتاح التي يتبناها.
وأشار الإمام الأكبر إلى لقاءاته المتعددة مع قيادات مسيحية بارزة، مثل رئيس أساقفة كانتربري السابق جاستن ويلبي وبطريرك القسطنطينية برثلماوس الأول، بالإضافة إلى التعاون المستمر مع الكنائس الشرقية بمختلف طوائفها ومجلس الكنائس العالمي، إلى جانب حوارات مع رجال دين يهود وبوذيين وهندوس وغيرهم، وقد شارك كثير منهم في مؤتمرات الأزهر ومجلس حكماء المسلمين.
وكشف عن قرب الإعلان عن لجنة مشروع الحوار الإسلامي المسيحي بين الأزهر والكنيسة الروسية، بالتعاون مع مجلس حكماء المسلمين، في إطار توسيع دوائر التفاهم الديني وتعزيز ثقافة السلام.
وتحدث الإمام الأكبر عن علاقته بالبابا الراحل فرنسيس، موضحًا أن اللقاءات بدأت في إطار رسمي وبروتوكولي بعد انقطاع طويل بين الأزهر والفاتيكان، ثم تطورت سريعًا إلى صداقة حقيقية قائمة على الصدق والتفاهم المتبادل بعيدًا عن أي اعتبارات إعلامية أو شكلية.
وأكد أن البابا فرنسيس كان رجل سلام استثنائي، يمتلك روحًا إنسانية منفتحة، واحترامًا عميقًا لأديان الآخرين، ورفضًا قاطعًا للتعصب والتمييز، وهو ما أسهم في تجاوز تحديات عديدة، وتُوِّج بتوقيع وثيقة الأخوة الإنسانية في أبوظبي عام 2019، التي وصفها بأنها الأهم في التاريخ الإنساني الحديث.
وأشار إلى أن الوثيقة حظيت باعتراف دولي واسع، واعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة يومًا عالميًا للأخوة الإنسانية، كما جرى تضمينها في مناهج وبرامج تعليمية بعدد من الدول.
وأضاف أن الأزهر يواصل اليوم علاقته الوثيقة مع البابا ليو الرابع عشر، بابا الكنيسة الكاثوليكية، مع ترتيبات جارية لعقد لقاءات قريبة لتعزيز التعاون المشترك.
وحول محاولات عرقلة هذه الصداقة، أوضح شيخ الأزهر أن التيارات المتشددة موجودة في كل مجتمع وكل ديانة، وقد واجه الطرفان اعتراضات من متطرفين هنا وهناك، وصل بعضها إلى تحريم مجرد اللقاء أو وضع شروط مسبقة للحوار.
وأكد أن هذه الاعتراضات لم تعرقل المسار، حيث انتصرت النيات الصادقة، وتلاقت الجهود على تعزيز قيم التعايش والأخوة الإنسانية، التي لا تتعارض مع جوهر الإسلام، بل تنبع من نصوصه الصريحة وتعاليمه الأصيلة.
وردًا على مزاعم أن انفتاح الأزهر على الخارج جاء على حساب علاقته بالكنيسة القبطية، وصف الإمام الأكبر هذه الادعاءات بأنها مجافية للحقيقة، مؤكدًا أن انفتاح الأزهر عالميًا هو امتداد طبيعي لانفتاحه داخليًا.
وأشار إلى عمق العلاقة التاريخية مع الكنيسة القبطية، سواء مع البابا تواضروس الثاني أو من قبله البابا شنودة الثالث، لافتًا إلى أن “بيت العائلة المصرية” يمثل نموذجًا فريدًا للتعايش، نجح في وأد الفتن الطائفية وبناء جسور الثقة بين أبناء الوطن الواحد.
كما استعرض الإمام الأكبر دور الأزهر في ترسيخ مفهوم المواطنة من خلال وثائق رسمية ومناهج دراسية، تصدت للأفكار المتشددة، وأكدت حق غير المسلمين في بناء دور عبادتهم، وحرية التهنئة بأعيادهم، مشددًا على أن هذا الانفتاح هو الذي مكن الأزهر من تقديم خطاب ديني جامع يحفظ تماسك المجتمع المصري.

