أكد الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، أن انتقاداته للحضارة الغربية لا تعني إنكار إنجازاتها العلمية التي خدمت البشرية، موضحًا أن هذا النقد يُطرح في عواصم هذه الحضارات الكبرى.

وأوضح شيخ الأزهر، خلال حواره، أنه يتحدث عن سلبيات الحضارة الغربية في مدن مثل باريس وبرلين وروما ولندن وسويسرا، مشيرًا إلى أن الكثير من الحضور الغربيين يتقبلون هذا الطرح بصدر رحب، ولا يرونه انتقاصًا من حضارتهم، بل قراءة واقعية لأزمات حقيقية محل نقد من مفكرين وفلاسفة غربيين.

شيخ الأزهر: الحضارة الغربية حققت قفزات هائلة ولكن…

وشدد الإمام الأكبر على أن الحضارة الغربية حققت قفزات هائلة في مجالات الصناعة والطب والتكنولوجيا والفضاء، ووفرت خيرًا واسعًا للبشرية، إلا أن الإشكالية الكبرى تكمن في ربط هذه المنجزات بقيمة واحدة هي الربح، وما ترتب على ذلك من كوارث إنسانية، حين جرى اختزال الإنسان في كونه آلة مادية هدفها الإنتاج والمكسب فقط.

وأشار فضيلته إلى أن هذا المنطق أدى إلى بيع القيم الإنسانية نفسها في أسواق السلاح وصراعات مناطق الثروة، حتى أصبحت صحة الإنسان ومقومات حياته الأساسية سلعة تحكمها قوانين السوق والربح قبل أن تحكمها قيم الكرامة والحياة النبيلة، بل بات الإنسان في حريته ومستقبله رهينة لإرادة الآخرين ونزواتهم ومصالحهم.

وأضاف شيخ الأزهر أن هذا الغرق في النظرة المادية هو ما انتبهت إليه حركات اجتماعية وفلسفية أوروبية، خرج من رحمها مفكرون أعادوا طرح السؤال عن القيم الروحية المهدرة في عالم صناعي مادي، لم يُسخِّر رفاهه وفوائضه لبناء السلام، وإنما استخدمها في تغذية الصراعات وخلق التوترات.

السلام بين الأديان مدخل للسلام العالمي

وفي سياق متصل، أكد الإمام الأكبر أن دعوته إلى تحقيق السلام بين رجال الأديان لا تستثنى رجال الدين الإسلامي، موضحًا أن خطابات دينية في مختلف الأديان والمعتقدات تسهم أحيانًا في تأجيج الصراع وتعزيز الكراهية، بدلًا من نشر قيم التفاهم والتعايش.

وأوضح أن السلام بين الشعوب لا يمكن أن يتحقق دون سلام بين أهل الأديان، معتبرًا أن الأخوَّة الدينية هي الأساس الحقيقي لصناعة الأخوَّة الإنسانية العالمية، وأن البداية الصحيحة تكون بإحياء هذه الأخوة بين علماء الأديان ورموزها، لكونهم الأقدر على تشخيص العلل الأخلاقية والاجتماعية، والأبصر بسبل معالجتها.

وشدد شيخ الأزهر على أنه من غير المقبول أن يدعو رجال الأديان إلى السلام، بينما يعجزون عن تحقيقه فيما بينهم، أو يحرض بعضهم أتباعه على الكراهية والعنصرية والاستعلاء، مستشهدًا بالمقولة الشهيرة: فاقد الشيء لا يعطيه.

الأخوَّة الإنسانية لا تعني دمج الأديان

وردًا على تفسيرات تربط دعوات الأخوَّة الإنسانية بمحاولات دمج الأديان، نفى الإمام الأكبر هذا الفهم بشكل قاطع، مؤكدًا أن الأخوَّة الإنسانية لا تعني مطلقًا الدعوة إلى توحيد الأديان أو إدماجها في دين واحد، واصفًا هذه الفكرة بأنها خيال عبثي لا يقبله عقل ولا يؤمن به صاحب دين.

وأوضح أن الله تعالى قضى بأن يكون لكل أمة شرعتها ومنهاجها، وأن المقصود من الدعوة هو تعزيز المشترك الإنساني بين الأديان، وبعث قيم التعارف والاحترام المتبادل، والعمل الجاد على ترسيخ المبادئ الأخلاقية المشتركة التي تحفظ للإنسان كرامته وتصون استقرار المجتمعات، بعيدًا عن صراعات الإقصاء وهيمنة المادة.