تحول جسد المرأة إلى ساحة للصراع السياسي في ظل تقاطع الخطاب الذكوري مع فكر التيارات الإسلامية، حيث يصبح رمزًا لهوية الأمة وعفتها، مما يفسر التركيز على المظهر كالحجاب والنقاب كمعيار للصلاح، بينما يتم التغاضي عن القيم الإنسانية حتى داخل الأسرة الواحدة.

في روايته الجديدة “زمن سعاد” الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، يقدم الدكتور خالد منتصر تحليلًا للمجتمع المصري من منظور أدبي وطبي.

تدور أحداث الرواية حول حياة الفنانة سعاد حسني، التي أصبحت أيقونة لزمن مضى، حيث تتحول جنازتها إلى ساحة صراع بين أفكار المثقفين والإسلام السياسي في إطار الحرب على الهوية التي غيرت وجه الوطن.

تبدأ الرواية من يوم تشييع جثمان الفنانة في عام 2001، حيث يشير منتصر إلى غياب القيم الجمالية التي تمثلها الفنانة الراحلة، وتتداخل الأحداث بين الحاضر والماضي، ليكشف عن “الورم السرطاني” المتمثل في الإسلام السياسي والعنف ضد الآخر الذي تفشى في المجتمع.

تقنية الاسترجاع “فلاش باك” تعد من أهم أدوات السرد التي يستخدمها منتصر، حيث تكسر جمود الخط الزمني وتعميق التجربة الدرامية، فهي ليست مجرد استدعاء للذكريات، بل جسر يربط دوافع الشخصيات ومشاعرها مع الحاضر.

غياب سعاد يمثل لحظة فاصلة للأبطال، حيث تتجلى سعاد المحمولة على النعش، لتطل بعين محايدة على تحولات زمانها، وعلاقاتها بشخصيات مثل صديقتها المتخيلة سعاد عبدالسلام الضوينى والفنان عبدالحليم حافظ، حيث تشير الرواية إلى علاقة زواج عرفي سري بينهما.

الرواية ليست مجرد حكاية سعاد حسني، بل تتقاطع مع حكايات أسرة صديقتها سعاد عبدالسلام الضوينى وزوجها فارس الأشمونى، وموقف التيارات الإسلامية من الفنون، وكيف قاومت سعاد حسني نفسها هذه الضغوط.

تناقش الرواية قضايا التديّن الشكلي والتجارة بالدين، من خلال رصد التحولات في شخصية طارق الابن الذي انصاع لتيارات الإسلام السياسي، والتي اجتاحت المجتمع منذ السبعينات، وتأثيرها على الحياة الجامعية والفنية.

أفول حياة سعاد يصبح رمزًا لغياب مؤلم يمكن تكراره، من خلال وجود شخصيات تحمل الاسم نفسه، والتي تتحول إلى أهداف للعنف الذكوري المتأسلم، مما يعكس أن المعركة لم تُحسم بعد في المجتمع.

شخصيات الرواية تتميز بالعمق، حيث يبرز منتصر قدرته على رسم الشخصيات بأبعادها الثلاثة، خاصة النفسية، مثل شخصية فارس الأشمونى الذي تعرض لهزيمة نفسية بعد إبعاده عن عمله، مما أدى إلى استسلامه لابنه طارق الذي انضم لتيارات الإسلام السياسي.

كما يركز المؤلف على شخصيات معتنقي أفكار الجماعات الإسلامية وعلاقتها بالمختلفين معهم، مما يعكس القسوة والإقصاء الذي يتسم به هؤلاء الشخصيات.

رواية “زمن سعاد” تتميز بتعدد الأصوات، حيث تمنح الشخصيات استقلالًا كاملاً، مما يسمح بتنوع مستويات لغات الرواية.

يستعين المؤلف ببعض المراجع عند تناول وقائع تمس شخصيات حقيقية، مثل شهدى عطية، مما يضفي مصداقية على الأحداث.

من أبرز ما يميز الرواية هو اعتماد المؤلف على “تقنية المرايا”، حيث يدمج أحداثًا حقيقية مع أحداث متخيلة، مما يعكس وجوه مصر المتغيرة.

كما ينجح المؤلف في ضبط إيقاع السرد، ليجمع بين عمق الأطروحة الفكرية وسهولة التلقي، مما يسهل على القارئ استيعاب الأفكار الأساسية.

“زمن سعاد” عمل روائي يأخذنا في رحلة عبر الذاكرة والواقع، ليكشف كيف تحول زمن سعاد من الانفتاح إلى ساحة معارك أيديولوجية، مما يجعل الرواية محاولة أدبية لاسترداد وعي وطني قبل تشييع سعاد إلى مثواه الأخير.

إنها رواية تدعونا للتفكر في ذاكرتنا وكيف نستعيدها، وهي دعوة للقراءة والانتباه إلى حجم التغيير الذي طرأ علينا، ولإعادة الاعتبار لقيم الجمال والحرية التي جسدتها سعاد يوما ما.