تبدأ قصة الحب بين أمانى وياسر رزق بمثل شعبى يقول «ما محبّة إلا بعد عداوة» حيث تروي أمانى تفاصيل تلك البدايات قائلة: بدأت قصتى مع جريدة الأخبار بعد حصولى على جائزة مصطفى وعلى أمين لأفضل تحقيق صحفى. كنت قد تخرجت حديثاً وعملت على تحقيق صحفى نُشر فى أخبار اليوم. شعرت بحماسى الشديد لكن اسم ياسر رزق كان يتردد كثيراً ولم أره قط. تساءلت من هو ياسر رزق هذا الذى يشار إليه ولا يراه أحد، وكان هذا الغموض يثير فضولى لمعرفة هذه الشخصية الغائبة الحاضرة

تتذكر أمانى تفاصيل اللقاء الأول الذى جمع بينهما منذ أكثر من 30 سنة كأنه بالأمس، فتقول: «فى يوم من الأيام تأخرت فى قسم التحقيقات لمتابعة تحقيق معين، ورأيت ياسر لأول مرة. كان شاباً نحيفاً يرتدى قميصاً رمادياً مقلماً وبنطالاً رمادياً. سمعته يغنى لعبدالحليم حافظ. لم أتمالك نفسى وسألته: انت فاكر نفسك عبدالحليم حافظ؟. سألنى: ومن أنتِ؟. أجبته باسمى. ثم قال لى: سأضع حقيبتى وأعود إليكِ. لكنه لم يعد. أخبرتنى زميلتى: هذا هو ياسر رزق. انتظرته لكنه ذهب ولم يعد ذلك اليوم

بعد أيام، كانت أمانى فى طريقها لإجراء تحقيق عن حماية المسطحات المائية، وبصحبتها زميلة أخرى. لم تكن هناك سيارات متاحة إلا واحدة مخصصة لياسر رزق. تقول أمانى: «أخبرنا السائقون أنه ذاهب إلى المطار لتغطية حدث مهم ولا يحب أن يركب معه أحد. طلبت من زميلتى أن تتحدث معه ليأخذنا. لكنه رفض بشدة، وقال إنه مرتبط بموعد عمل مهم. انتقدته قائلة: فاكر نفسك مين؟ نحن صحفيون مثلك تماماً. استقبل ياسر هجومى بهدوء ووافق على أن نستقل السيارة معه بشرط أن نلتزم الصمت

ظل الصمت سائداً حتى فتح ياسر ظرفاً ورقياً تسلمه من الأمن، استطاعت أمانى من مقعدها الخلفى أن تقرأه. كانت رسالة مكتوبة بخط اليد: «حبيبى، أنت حبيبى». فابتسم ثم قام بتمزيقها ووضعها فى جيبه. استفزنى هذا المشهد، فخالفت قاعدة الصمت وقلت له: تقطع رسالة حب كتبتها لك امرأة.. إزاى تعمل كده؟! لم يرد، اكتفى بالنظر إليّ ثم أدار وجهه

2

تتذكر أمانى اللقاء الثالث الذى كان بداية حقيقية لحبهما، حينما مر ياسر من أمامها فضحك وقال: «أهو.. أنا بغنى لعبدالحليم وما حدش له عندى حاجة». بعدها، طلب من عامل البوفيه إحضار فطور له على مكتب أمانى. تقول: «جاء الفطار وكان فطاراً مخصوصاً. جلسنا وطلب منى أن أفطر معه، فوافقت

استمرت تلك الجلسة داخل المؤسسة الصحفية أربع ساعات كاملة، حكى ياسر عن نفسه وحكت أمانى عن نفسها. بدت ظروفهما متشابهة وكلاهما مر بتجربة زواج انتهت. تقول: «كنت خارجة من تجربة صعبة، ومعى طفلة صغيرة، وعمرى 24 عاماً. هو أيضاً كان يمر بتجربة شخصية مماثلة. كانت تلك الجلسة حديثاً من القلب إلى القلب، عرف كل واحد منا الآخر على حقيقته. بعد انقضاء الأربع ساعات، بدأت القصة حيث شعرت بميلاد حب حقيقى تجاه هذا الشخص الذى تشاجرت معه مرتين. بدأ الحب يكبر بيننا، واتفقنا على الزواج، وكتب كتابنا الشيخ الشعراوى على مذهبه. استطعنا أن ننجح فى زواجنا رغم الاختلافات الشخصية، أنا لم أكن نسخة من ياسر. هو كان ناصرياً، وكنت شيئاً آخر. هو كان زملكاوياً، وكنت أهلاوية

تقول أمانى إن السر الحقيقى الذى دفعها إلى الوقوع فى حب ياسر هو «طيبة قلبه» التى قد لا تظهر من الخارج. تواصل قائلة: «كان أرق قلب قابلته فى حياتى. كان مصداقاً لحديث الرسول: هيّن ليّن. وهذه الصفات لم تكن لى وحدى بل كانت طبعاً أصيلاً فيه

تكشف أمانى عن جوانب أخرى من حياة ياسر كزوج وأب، قائلة: «عندما اتفقنا على الزواج، كانت معى ابنتى مايان، وقد أكدت له استحالة التخلى عنها. رد قائلاً: لن نتركها أبداً، أنا أحببتكما أنتما الاثنتين. نشأت ابنتى على يديه، لقد كان أباً بالمعنى الكامل

نظراً لعمله الصحفى، كان ياسر مشغولاً معظم وقته. تقول أمانى: «كان يؤثر ذلك على البيت، فكثيراً ما فاتته مناسبات مهمة. لكننا اتفقنا على أن نسند بعضنا. كنت أقوم بهذه المهام وأتقبل ذلك بصدر رحب. لكنه لم يكن بعيداً معنوياً أبداً. كان يتابع كل التفاصيل بدقة

فى عام 2018، بدأت معاناته مع المرض. كان يعانى من مشكلات فى القلب، لكن ظهر عرَض غريب. تحكى أمانى: «ذهبنا إلى عشرة أطباء، وشخصوه بالتهاب خلوى. استمر هذا الحال خمسة أو ستة أشهر. بالصدفة، نصحه صديق بزيارة الدكتور مجدى زكريا. وعندما رآه الدكتور، قال فوراً: يجب أن تعمل أشعة على الرئة. كشفت الأشعة عن ورم كبير

أجرى ياسر الجراحة الصعبة بإزالة نصف الرئة، لم يكن فى صحبته خلال تلك الساعات الاستثنائية إلا زوجته أمانى. تقول: «كانت أصعب ليلة قضيتها. كان قرارهم أن الجراحة يجب أن تتوزع بين القلب والرئة. وافق ياسر على أن يبدأ بجراحة الرئة، وبعد أسبوعين يتبعها بقسطرة للقلب. وبعد ثمانى ساعات داخل غرفة العمليات، خرج ياسر منهكاً

بعد خروجه من غرفة العمليات، بدا ياسر كأنه يلفظ أنفاساً أخيرة. تقول أمانى: «رأيته يموت أمامى. تم نقله إلى العناية المركزة حيث بقى أسبوعاً آخر. كنت بمفردى معه، لا أتركه لحظة

بعد أن تحسنت حالته قليلاً، تتذكر أمانى أول كلمة نطق بها ياسر بعد الجراحة: «أحضرى لى مياهاً لأتوضأ. عايز أصلى». كانت هذه الصورة الأقرب لتقوى هذا الرجل وصدقه. كنت مستعدة أن أعطيه حياتى بمعنى الكلمة

بعد الاستشفاء وتحسن الحالة الصحية، ظل ياسر يتردد على مستشفى السلام بالمعادى لمتابعة حالته. قبل وفاته بيوم واحد، كان متفقاً مع الدكتور أحمد الجندى على عمل قسطرة. تحكى أمانى عن ذلك اليوم: «سأل ياسر طبيبه: أعمل قسطرة، ولّا قلب مفتوح؟. كانت المرة الأولى التى يخبره فيها طبيبه: لا يا ياسر، لا تتحمل عملية قلب مفتوح. أعتقد أن هذه كانت أصعب جملة سمعها فى حياته

فى تلك الساعات، كان شعوره بالرحيل قوياً. قال لى: أمانى، يجب أن أشترى مقبرة. وعندما سألته عن السبب، قال: لأننى سوف أموت. لم يصدق أحد، لكنه كان يشعر بما لا يمكن أن نصدقه. حينذاك لم يفكر إلا فى مستقبل أبنائه، وقرر أن يعلن لشريكة حياته ما يمكن وصفه بـ«الوصايا الأخيرة». تحكى قائلة: «قال لى: إذا متّ، قسط هذا البيت يدفعه عمر، ولو قمت بجمع مقالاتى فى كتب، تكون حقوق الملكية الفكرية لعمر

من 4 سنوات.. اختارك الله إلى جواره لا أقول إلا ما يرضى الله.. ولكن يشهد الله أنك لم تغب لحظة عن قلبى وعينى وحياتى أنا وأولادنا الأربعة مايان وعمر وباسل وأحمد أعمل بكل جهدى أن أكمل رسالتك فى تربية أولادنا والحفاظ على كيان أسرتنا والحمد لله أولادنا مثار فخرى وقوتى واعتزازى.

فى اليوم التالى، كان ياسر رزق فى مكتبه لمتابعة العمل رغم حالته الصحية. لفظ أنفاسه الأخيرة وسط أوراقه وكتبه، ليسدل الستار على رحلته مع شريكة حياته بعد أكثر من 25 سنة. تلك الرحلة التى تصفها أمانى بأنها «رحلة العمر»، وتصف نصف روحها الآخر قائلة: «هو أعظم منحة وهدية قدّمها الله لى ولأبنائى، أشكر الله أننى قابلته وعشت معه هذا العمر، وهو إلى اليوم ما زال حاضراً فى قلبى

تقول أمانى: يجب أن يكون زوجك هو أقرب الناس إليكِ على الإطلاق، صديقك ووالدك وزوجك. لا يجب أن تكونى خصمه أو نده. أعطيه مساحته ووضعه واعتباره، ولا يجوز أن تكون هناك أسرار بينكما