صدر حديثًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب كتاب بعنوان «البيئة والرقص الشعبي في احتفاليات الزواج» للدكتور مدحت فهمي مصطفى، يتناول الكتاب الرقص الشعبي المصري كجزء أساسي من الثقافة الشعبية ويعكس علاقة الإنسان ببيئته ومعتقداته وطقوسه الاجتماعية.
ينطلق الكتاب من فكرة أن الرقص الشعبي ليس مجرد فعل جمالي، بل هو نتاج شبكة معقدة من العادات والمعتقدات والبيئات الاجتماعية، حيث لا يمكن أن يوجد رقص بلا عادة تدعمه أو حركة بلا معنى ثقافي أو رمزي.
يرصد المؤلف الجذور العميقة للرقص الشعبي المصري، التي تمتد إلى أصول أفريقية وآسيوية وعربية وأمازيغية، كما يتناول تأثير الاتصال الثقافي الذي سمح بانتقال عناصر ثقافية تفاعلت مع الموروث المحلي عبر الزمن، مما أدى إلى ظهور رقصات متنوعة تتماشى مع المزاج الفني والبيئي المصري.
يؤكد الكتاب أن الرقص الشعبي يعد من أقدم الفنون الإنسانية، حيث ارتبط بالمعتقدات والطقوس منذ نشأته، ثم انتقل تدريجيًا من المعابد إلى ساحات الاحتفال، مع الحفاظ على جذوره الأسطورية. يستعرض المؤلف براعة المصري القديم في فنون الرقص، حيث كان جزءًا من الأعياد والمناسبات الاجتماعية، وعرف المصريون الرقص الدرامي المرتبط بالحكايات، حتى أن كلمتي «الرقص» و«القص» كانتا مترادفتين في أشعارهم.
يتناول الكتاب أيضًا الإله «بس»، إله الموسيقى والرقص والمسرح لدى المصريين القدماء، الذي ارتبط بحماية الناس من الشرور والحسد، كما ارتبط بالراقصات والطقوس الاحتفالية.
التحولات التي طرأت على نظرة المجتمع للرقص
يناقش المؤلف التحولات التي طرأت على نظرة المجتمع للرقص في العصور الإسلامية، حيث ارتبط أحيانًا بالمصائب أو الانحراف، مستشهدًا بما ورد في كتب تفسير الأحلام، ورغم ذلك صمد هذا الفن أمام القيود الأخلاقية والاجتماعية، وظهرت طوائف محترفة مثل «الغوازي»، إلى جانب الراقصين الرجال الذين قلدوا أداء النساء في بعض الفترات التاريخية.
يخصص الكتاب فصلًا تطبيقيًا لرقص الواحات البحرية في احتفاليات الزواج، موثقًا طقوسه، وفصل الرجال عن النساء، وأشكال الأداء الحركي، والملابس التقليدية، ومواكب «البصباصة» المصحوبة بالغناء والرقص، باعتبارها نموذجًا حيًا لعلاقة الرقص الشعبي بالبيئة والهوية المحلية.
يمثل الكتاب إضافة مهمة للمكتبة العربية في مجال دراسات الفنون الشعبية والأنثروبولوجيا الثقافية، بما يقدمه من توثيق علمي وتحليل عميق للرقص الشعبي كجزء من ذاكرة المجتمع المصري.

