قال ماهر نقولا فرزلي، مدير المركز الأوروبي الآسيوي للدراسات الاستراتيجية، إن منتدى دافوس الاقتصادي هذا العام يأتي في توقيت حساس على المستويات كافة، سواء اقتصادياً أو سياسياً، حيث يمر العالم بمرحلة انتقالية غير مسبوقة تتشابك فيها المصالح الاقتصادية مع التحولات السياسية الكبرى، ويعكس انعقاد المنتدى في هذا التوقيت بمشاركة عدد كبير من قادة الدول وصناع القرار دلالات عميقة تتجاوز كونه تجمعاً اقتصادياً تقليدياً.
وأوضح فرزلي، في تصريحات خاصة، أن توقيت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي سبقت انطلاق المنتدى بيومين، لم يكن عشوائياً، بل جاء مدروساً بعناية، حيث يمتلك ترامب رؤية شاملة لطبيعة التوازنات الدولية ويدرك تماماً رمزية مدينة دافوس التي تتحول سنوياً إلى ملتقى للمصالح المالية والصناعية والسياسية العالمية.
وأشار فرزلي إلى أن دافوس يمثل المكان الأنسب لإطلاق الرسائل الكبرى، خاصة في ظل ما يشهده العالم من إعادة تشكيل عميقة للنظام الدولي، حيث دخل العالم مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ “عهد الجغرافيا الاقتصادية السياسية”، حيث لم تعد القرارات الاقتصادية منفصلة عن الحسابات الجيوسياسية، بل أصبحت الجغرافيا والمصالح الاستراتيجية عناصر حاكمة في توجيه السياسات الاقتصادية للدول الكبرى.
وأوضح أن التحركات الأمريكية الأخيرة، سواء المتعلقة بملف جرينلاند أو ما جرى في فنزويلا، تعكس هذا التحول بوضوح، حيث بات الاقتصاد أداة مباشرة في الصراع على النفوذ وإعادة رسم مناطق التأثير، وظهر الموقف الأوروبي وصناع القرار في أوروبا وبريطانيا قد بدأوا يظهرون قدراً من الوعي المتأخر بحقيقة التحولات الجارية، وإن كان هذا الوعي ممزوجاً بحالة من الحزن والإحباط.
وقال إن الأوروبيين عاشوا لفترة طويلة في “عالم من الأحلام”، معتقدين أن النظام الدولي سيبقى على صورته القديمة، لكن تصريحات السياسيين الأوروبيين في دافوس، ومن بينهم رئيس وزراء كندا، كشفت عن حالة من الارتباك والإنكار، حيث يعكس حديث بعض القادة الأوروبيين عن الإيمان بعالم قائم على القوانين والمبادئ رؤية متعالية وغير واقعية، واصفاً هذا الطرح بأنه “سخيف سياسياً وغير منسجم مع الواقع الدولي الجديد”.
وأشار فرزلي إلى أن جزءاً كبيراً من النخبة السياسية في أوروبا وإنجلترا لا يزال يسعى للتمسك بعالم ما قبل ترامب، رغم أن هذا العالم لم يعد موجوداً فعلياً، كما أن النظام الدولي يشهد تفككاً في بنيته التقليدية مع تراجع فكرة القطب الواحد وصعود مراكز قوى جديدة، وهو ما يفرض على الجميع التكيف مع قواعد جديدة بدلاً من محاولة إحياء نظام انتهت صلاحيته، مشدداً على أن منتدى دافوس 2026 لن يكون مجرد ساحة نقاش اقتصادي، بل محطة مفصلية في مسار التحول العالمي حيث تتلاقى السياسة والاقتصاد والجغرافيا في رسم ملامح عالم جديد تتغير فيه موازين القوة ومفاهيم النفوذ.

