في إنجاز علمي وثقافي، أُدرج مخطوط “إتحاف المحبوب لشرح مجملة المطلوب في العمل بربع الجيوب” ضمن برنامج “ذاكرة العالم” التابع لمنظمة اليونسكو، تقديرًا لقيمته العلمية والتاريخية، وبجهد من مكتبة الأزهر الشريف، مما يعكس دور الأزهر في صون التراث الإنساني وحفظ الذاكرة العلمية للحضارة الإسلامية.
كنوز نادرة بمكتبة الأزهر الشريف
يُعتبر المخطوط أحد النفائس العلمية في علم الفلك والميقات، وهو من تأليف العالم علي بن مامي الحنفي، وقد نُسخ بخط اليد على يد حسن بن حسين برنج سنة 1132هـ الموافق 1719م، ويُحفظ ضمن الكنوز النادرة بمكتبة الأزهر الشريف.
أقدم المخطوطات في علم الفلك
قدمت هذه المخطوطة شرحًا شاملًا لمخطوطة رسالة المارديني، خلال فترة سيطرة العلماء المسلمين على علم الفلك من خلال اكتشافاتهم العلمية وتطوير دراسة الفلك ومعرفة الكواكب والكوكبات وحركة القمر والنجوم، كما ساعدت العلماء الغربيين في أوروبا على دراسة علم الفلك وحركة الكواكب وارتفاع الشمس وطلوعها وغروبها وقطر الأرض ومعرفة عرض الأنهار وعمق الآبار.
ينتمي المخطوط إلى علم الفلك التطبيقي، وهو العلم الذي استخدمه العلماء المسلمون قديمًا في تحديد أوقات الصلاة ومعرفة اتجاه القبلة وحساب حركة الشمس والنجوم وضبط التقويم والزمن، إذ يقدم شرحًا علميًّا دقيقًا يبرز المنهج التطبيقي الذي اعتمده علماء المسلمين في الربط بين الحساب والهندسة والظواهر الفلكية.
يتناول المخطوط شرح استخدام “ربع الجيب” أو “الربع المجيب”، وهي أداة فلكية قديمة على هيئة ربع دائرة، كانت تُعد من أهم أدوات الرصد والحساب قبل ظهور الساعات والأجهزة الحديثة، واعتمد عليها العلماء في حساب ارتفاع الشمس في السماء ومعرفة الوقت بدقة وتحديد اتجاه القبلة وإجراء الحسابات الفلكية والرياضية بسهولة، وقد سُميت بهذا الاسم لاعتمادها على حسابات الجيوب، التي تُعد أساس علم المثلثات المستخدم حتى اليوم.
الأزهر منارة لنشر العلوم العقلية والتطبيقية
تتجلى أهمية هذا المخطوط في كونه نموذجًا واضحًا للتطبيق العملي للرياضيات عند العلماء المسلمين، وربطه الوثيق بين العلم والعبادة، كما يعكس مستوى متقدمًا من الدقة العلمية والتنظيم الرياضي، ويؤكد أن العلوم الفلكية عند المسلمين لم تكن نظرية فحسب، بل كانت مرتبطة بحياة الناس اليومية واحتياجاتهم الدينية والزمنية.
كما يُبرز المخطوط الدور التاريخي للأزهر الشريف كمركز علمي جامع، لم يقتصر على العلوم الشرعية وحدها، بل كان منارة لنشر العلوم العقلية والتطبيقية، وأسهم في حفظ هذا التراث العلمي النادر ونقله عبر الأجيال.
يأتي إدراج المخطوط في سجل “ذاكرة العالم” باليونسكو ليُثبت للعالم أجمع أن العرب والمسلمين كانوا أصحاب السبق في علوم الفلك والرياضيات، وأن إسهاماتهم شكّلت أساسًا مهمًا في تطور المعرفة الإنسانية، وهو ما تُوّج بإرسال منظمة اليونسكو شهادة رسمية بإدراج المخطوط ضمن السجل العالمي.
في إطار استكمال هذا الإنجاز العلمي، تم التوجيه بالعمل على تحقيق علمي متخصص للمخطوط، تحت إشراف مركز الأزهر العالمي للفلك الشرعي وعلوم الفضاء، بما يسهم في إحياء هذا التراث الفلكي الرائد وتقديمه للباحثين والدارسين وفق منهج علمي معاصر يبرز قيمته الحضارية والعلمية على المستويين الإقليمي والدولي.
أكد أحمد كامل، مسؤول متحف المخطوطات بالمعرض، أن إدراج مخطوط “إتحاف المحبوب لشرح مجملة المطلوب في العمل بربع الجيوب” ضمن برنامج “ذاكرة العالم” التابع لمنظمة اليونسكو يُعد تتويجًا لجهود علمية دقيقة في فحص وتوثيق المخطوطات النادرة، مشيرًا إلى أن هذا المخطوط يمثل نموذجًا فريدًا للتكامل بين العلوم الرياضية والفلكية والتطبيقات العملية المرتبطة بضبط الزمن وتحديد اتجاه القبلة.
أضاف أن احتفاظ مكتبة الأزهر الشريف بهذه النسخة النادرة يعكس دور الأزهر التاريخي في حفظ التراث العلمي الإسلامي وصونه للأجيال القادمة، مؤكدًا أن تسجيل المخطوط عالميًا يُسهم في إبراز إسهامات العلماء المسلمين في تطور علم الفلك ويعزز مكانة الأزهر كمركز عالمي للمعرفة والتراث.

