يحتفل العالم بمرور مئة عام على ميلاد شخصية فنية بارزة وُلدت في شتاء يناير القارس يوم 25 من عام 1926، حيث تشبه حياته مياه بحر الإسكندرية التي استقبلته منذ اللحظة الأولى، فتارة تكون هادئة وصافية وأخرى تتلاطم فيها الأمواج.
لم يكن ابن بيئة واحدة بل كان أشبه بـ«المهاجر» الذي يسعى للتعلم، مستنداً إلى إتقانه لعدد من اللغات، ليكتشف فنون التمثيل والإخراج، وعاد بعدها إلى مصر ليطلق صرخته الأولى «سكوووت.. هنصور» عام 1950 من خلال فيلم «بابا أمين»، ليظهر اسمه لأول مرة كمدير للإخراج.
عاش «چو» عصوراً متعددة، بدءاً من طفولته في الثلاثينات، مروراً بمراهقته وشبابه في ظل الملكية وثورة يوليو، وصولاً إلى أوجاع هزيمة 1967 ونشوة انتصار أكتوبر، ثم تبعات الانفتاح وما تلاه من تطور، ليصبح كهلاً لا هم له سوى الفن، معبراً عن آرائه بحرية حتى وفاته في 27 يوليو عام 2008.
شهدت مصر تغيرات اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية كثيرة، وكان شاهداً عليها، حيث أصبح كالعصفور الذي يطير بلا حدود، باحثاً عن المعرفة والأفكار، معبراً عن حريته بقوله «أنا مش تبع مخلوق يا سيدنا البيه.. أنا حر في اللي يقول لي ضميري عليه».
توجه إلى البلاتوهات ليعبر عن آرائه وأحلامه من خلال السينما، باحثاً عن «فجر يوم جديد» الذي طالما طمح إليه، ولم يكن ذلك خياراً بل مصير كتب عليه أن يشغله الإنسان «ولو مالوش عنوان».
«چو» بطبعه متمرد وصريح، يخوض معارك فكرية وسياسية واقتصادية، وفي نفس الوقت هو حالم ومبدع، يتنفس عشق الفن، يؤمن بأن تلقائية الممثل على الشاشة تأتي بعد تحضير ودراسة طويلة، لذا عندما قرر الوقوف أمام الكاميرا لم يسعَ لأن يصبح «دنجوان» الشاشة، بل قدّم شخصية «قناوى» الشاب الأعرج المهووس بحب «هنومة» في فيلم «باب الحديد» عام 1958، يرفض الأماكن الضيقة ويحب التنوع، لذا أخرج فيلم كوميدي غنائي «انت حبيبى» عام 1957، ثم قدم «جميلة» التي تناضل ضد الاحتلال الفرنسي للجزائر، ولا ينسى الرومانسية في «بين إيديك» عام 1960، ليعود في 1963 مع فيلم «الناصر صلاح الدين» ومعركته ضد الصليبيين.
هذا التمرد دفعه لتقديم سلسلة من الأفلام التي تتطرق إلى سيرته الذاتية، حيث لم يُمجد نفسه أو عائلته، بل لم يتردد في الإفصاح عن أسرار نشأته داخل أسرة متوسطة، معبراً عن آرائه بحرية.
في أفلام «إسكندرية ليه؟» عام 1979، و«حدوتة مصرية» عام 1982، و«إسكندرية كمان وكمان» عام 1990، و«إسكندرية نيويورك» عام 2004، فتح يوسف شاهين كتاب حياته ونشأته، ليعيش المتفرج معه سنوات من الاضطراب والشغف.
واجه اتهامات بأن الجمهور لا يفهم أعماله، لكنه لم يشغل باله بالأقاويل، متمسكاً بإيمانه بأنه مقدر في بلده، ويقدره البسطاء، فالشعب المصري ذكي، وهناك أفلام تنجح على المدى الطويل، يعتز بما يقدمه من أعمال، حيث يأخذ كل فيلم قطعة من روحه، وانغماسه في مصريته جعله يصل إلى العالمية.
«قلبى ينبض بقوة، كنت أنتظرها من 47 عاماً».. كلمات قالها وهو يتسلم جائزة ذهبية عن مجمل أعماله عام 1997 من مهرجان «كان» السينمائي وسط تصفيق نجوم العالم، حيث وصفته مقدمة الحفل بأنه حصل على الجائزة «لإنسانيته وتسامحه وشجاعته».
«بعد كل هذا الحب للسينما.. من أنت؟» سؤال طرحته آمال العمدة عليه في برنامجها الإذاعي، ليرد يوسف شاهين بفخر، معدداً أسماء أفلامه، قائلاً «أنا المهرج الكبير.. أنا الآخر.. أنا حدوتة مصرية».

