يستعرض الموسيقار يحيى الموجي تجربته مع يوسف شاهين في أفلامه مثل «المصير» و«الآخر» و«إسكندرية نيويورك» حيث عمل لفترة طويلة على مقطوعة موسيقية جديدة لأحد أفلام شاهين وبعد جهد كبير في التأليف والتسجيل عرضها عليه ليصدم برأيه الذي وصفه بـ«وحشة» وهو ما دمر مجهود شهور من العمل، وعندما سأل الموجي عن السبب أجابه شاهين بأنها موسيقى جميلة جداً والناس ستنسى الحوار، مما دفع الموجي لإعادة سماع الموسيقى مع المشهد ليقتنع برأيه بعد أن لاحظ تركيز الحاضرين على الموسيقى وليس الحوار، مما أدى إلى حذف المقطوعة من الفيلم.

كما يروي الفنان محمد منير تجربته مع شاهين حيث يشير إلى تأثيره في تطور شخصيته الموسيقية من خلال أغنية «حدوتة مصرية» حيث سمع شاهين لحن الأغنية لكنه فاجأه بتطويره إلى الشكل النهائي الذي ظهر في الفيلم، مؤكداً أن ما يقوله شاهين في الموسيقى هو الصحيح دائماً لأنه كان يبحث عن الجديد في الموسيقى العالمية.

يوسف شاهين لم يقتصر على التأليف الموسيقي بل تدخل أيضاً في الشعر واختيار الكلمات المناسبة للمشاهد، حيث يروي الشاعر جمال بخيت موقفه مع شاهين في أغنية «آدم وحنان» التي كتبها لفيلم «الآخر»، حيث طلب شاهين تعديل جملة من «جايين من ورا موج وبحار» إلى «هالين من ورا موج وبحر»، معتبراً أن التعديل كان أكثر ملاءمة، كما أن المقدمة الموسيقية للأغنية ألّفها شاهين بنفسه وعزفها على البيانو قبل أن يسلمها للموسيقار يحيى الموجي.

الموسيقار عمر خيرت يروي أيضاً كيف فوجئ بشاهين يقوم بالتأليف والتلحين والغناء لأغنية في فيلم «سكوت هنصور» بشكل احترافي، حيث لم يتدخل خيرت إلا بتعديلات بسيطة في التوزيع الموسيقي.

هذه الشهادات من كبار صناع الموسيقى تعكس عبقرية يوسف شاهين ليس فقط كمخرج بل كموسيقار فذ، فهو لم يتعامل مع الموسيقى كعنصر ثانوي بل كأحد أبطال الفيلم، يعرف متى يجب أن تتدخل الموسيقى ومتى يجب أن تصمت.

الفنان عزت العلايلي يتذكر كواليس فيلم «الأرض» حيث قال شاهين أثناء تصوير مشهد «زحف» الفنان محمود المليجي «هنا لازم تكون في أغنية»، وكانت بالفعل أغنية «الأرض لو عطشانة»، مما خلق لوحة سينمائية متكاملة تمثيلاً وغناءً، مما يبرز قدرة شاهين على دمج الموسيقى بشكل متقن مع المشهد.

عشرات الأغاني الخالدة في السينما المصرية كانت من تأليف شاهين مثل «يا سلام على حبي وحبك» لفريد الأطرش وشادية و«على صوتك» و«حدوتة مصرية» لمحمد منير و«تعرف تتكلم بلدي» للطيفة، حيث كان شاهين يختار أصوات جديدة دون التقيد بنجوم كبار، مما يعكس منهجه الموسيقي الفريد.

في أغنية «انت» من فيلم «إسكندرية نيويورك» كان من المفترض أن يغنيها علي الحجار لكن شاهين اختار أن تُطرح بصوت فاروق الشرنوبي بعد أن شعر بأنها الأنسب للمشهد.

من خلال هذه الروايات نكتشف جانباً آخر ليوسف شاهين، فهو ليس فقط مخرجاً بارزاً بل موسيقار عارف بقيمة الموسيقى، مما ترك لنا إرثاً موسيقياً غنياً يتماشى مع أفلامه التي حُفرت في الذاكرة، لذا يجب أن نترك لأنفسنا المساحة للاستمتاع بموسيقاه وأغانيه أثناء مشاهدة أفلامه، لنكتشف أن خلف تلك الروعة الموسيقية كان يقف موسيقار اسمه يوسف شاهين.