ظل المخرج السينمائي في مصر، أي مخرج، في حالة من الظلم من قبل النقاد والباحثين والصحافة الفنية حتى ظهور يوسف شاهين، فقبل شاهين لم تكن الدراسات السينمائية والكتابات الصحفية تعطي المخرج السينمائي الاهتمام الذي يستحقه، وذلك بسبب هيمنة النجم على كل الاهتمامات، صحيح أن المتخصصين يعرفون أسماء عديدة من أجيال سابقة مثل أحمد بدرخان وهنري بركات ومحمد كريم، إلا أن تلك المعرفة جاءت بعد ظهور شاهين الذي استطاع أن يبرز حضوره الفني بفضل شخصيته وقدرته على الابتكار، وبفضل تلك النجومية انتبه النقاد والباحثون إلى أهمية المخرج وأدركوا أن دوره لا يقل عن دور الممثل النجم، الذي هو في النهاية نتاج عمله.

أحد أهم ما ميز شاهين هو نضجه الفكري والفني، وقدرته على التخلص من تبعية الممثل النجم، فلم يكن مرتبطاً بنجم معين كما كان الحال مع مخرجين آخرين، بل كان نجاح أي عمل معقوداً له، وكان له فريقه من الممثلين الذين يعتمد عليهم في معظم أفلامه، وبذلك أصبحت أفلامه منسوبة له، ونجح في كسر احتكار النجم للأضواء، فباتت السينما التي يقدمها تحمل ملامح محددة مقترنة باسمه، وقد قاد السينما المصرية إلى منصات التتويج في المهرجانات الدولية الكبرى، حيث حصل على جوائز عديدة مثل الدب الفضى في برلين وجائزة اليوبيل الذهبى في مهرجان كان.

كان شاهين متمرداً على واقعه، مؤمناً بما يفعل رغم المعوقات، درس في مدارس الطبقة الأرستقراطية ثم سافر إلى أمريكا لدراسة المسرح، وعاد ليقدم أول أفلامه «بابا أمين» في عام 1950، رغم أن السينما المصرية كانت تعاني من سيطرة الميلودراما والكوميديات الشعبية، قدم شاهين فانتازيا اجتماعية كانت جديدة على السينما المصرية.

قبل أن تتبلور الثورة المصرية بعد يوليو 1952، ألح شاهين في أفلامه على أفكار الملكية العامة وحقوق العمال، مثلما ظهر في أفلامه «صراع في الوادى» و«صراع في الميناء» و«باب الحديد»، وعندما تماست توجهات الدولة مع أفكاره كان هو أول من انتقد انحرافات المنتسبين لها، كما فعل في فيلم «العصفور» الذي تناول الفساد الذي أدى إلى هزيمة 1967.

قدم شاهين في فيلم «جميلة» عام 1958 أقوى ما أنتجته السينما المصرية ضد الاستعمار الفرنسي للجزائر، وفي عام 1963 قدم فيلم «الناصر صلاح الدين» الذي تناول الحملات الصليبية على الشرق، رغم الانتقادات التي واجهها من أنصار الكنيسة الكاثوليكية.

واجه شاهين صدامات مع أجهزة الرقابة، حيث رفضت الرقابة عرض فيلم «العصفور» في عام 1972، الذي كشف الفساد الداخلي، ونجح في الحفاظ على النسخة الأصلية من الفيلم، ولم يعرض إلا بعد عامين من تصويره، كما كانت أغنية الفيلم «رايات النصر» علامة فارقة في انتصارات أكتوبر.

كانت معركته الكبرى في عام 1994 بشأن فيلم «المهاجر»، حيث أصر على استلهام قصة النبي يوسف، رغم دعاوى الحسبة والتطرف الديني، ورغم الحكم بمنع عرض الفيلم، إلا أن محكمة الاستئناف أعادت له حقه في حرية التعبير، وهو ما استمر في جميع أعماله اللاحقة.

يوسف شاهين هو المخرج الوحيد الذي قدم أربعة أفلام عن سيرته الذاتية، بدءاً من «إسكندرية ليه» عام 1978، ثم «حدوتة مصرية» عام 1982، و«إسكندرية كمان وكمان» عام 1990، وانتهاءً بـ«إسكندرية نيويورك» عام 2004، حيث تحمل كل أفلامه لمحات من حياته.

تمرد شاهين على السائد كان أحد أهم مفاتيح شخصيته، ولولا هذا الاختلاف لما أصبح شاهين أهم مخرج عرفته السينما العربية خلال مائة عام، وهي تقريباً كل عمر الفيلم الروائي الطويل في مصر.