لم يكن يوسف شاهين مجرد مخرج سينمائي بل كان فناناً شاملاً آمن بأن السينما هي مساحة للتعبير لا تعترف بالفواصل بين المخرج والممثل، لذا كان ظهوره أمام الكاميرا اختياراً يعكس رؤيته الفنية وشخصيته الجدلية.

أبرز ظهور ليوسف شاهين كممثل كان في فيلم «باب الحديد» عام 1958، حيث جسد شخصية «قناوي»، بائع الجرائد المعذب نفسياً، في أداء اعتبره الكثيرون من أعظم الأدوار في تاريخ السينما المصرية، لم يكن شاهين مخرجاً فقط بل ممثلاً غاص في أعماق شخصية مأزومة، كاشفاً عن فهم عميق للنفس البشرية، مؤكداً أن الكاميرا يمكن أن تكون أداة اعتراف بقدر ما هي أداة حكي.

وفي فيلم «حدوتة مصرية» عام 1982، ظهر شاهين بشخصه الحقيقي تقريباً، صارخاً في أحد مساعديه بجملته الشهيرة «يمين إيه ح تخش في الحيط»، وهي اللقطة التي تحولت إلى أيقونة سينمائية، هذا الظهور لم يكن مجرد مزحة بل كان انعكاساً لفلسفة شاهين الصدامية ورفضه التجميل الزائف للواقع.

كما شارك شاهين في مشاهد قصيرة في أفلام أخرى، مثل ظهوره في «إسماعيل ياسين في الطيران» عام 1959، حيث ظهر بشخصيته الحقيقية كمخرج، وترك عباراته التلقائية لإسماعيل ياسين تتحول إلى جزء من الذاكرة الشعبية، وظهر أيضاً في لقطة سريعة بفيلم «ابن النيل» أثناء هروب محمود المليجي من الشرطة، وكأن وجوده كان دائماً إشارة ذكية لمن يعرف تاريخه.

لم يقتصر تمثيل يوسف شاهين على المشاهد العابرة، بل قدم أدواراً في أفلام من إخراجه مثل «فجر يوم جديد» عام 1965 بشخصية «حمادة»، و«اليوم السادس» عام 1986، و«إسكندرية كمان وكمان» عام 1990، حيث لعب شخصية «يحيى السكندري»، التي اعتبرها الكثيرون انعكاساً مباشراً لسيرته الذاتية وصراعاته الفكرية، كما ظهر في أعمال وثائقية وسينمائية بصفته «نفسه»، مثل «كاميرا عربية» عام 1987، و«عاشقات السينما» عام 2002، و«ويجا» عام 2005، الذي شارك فيه مجاملة لتلميذه خالد يوسف، في مشهد يحمل دلالة رمزية عن انتقال الشعلة بين الأجيال.

يوسف شاهين، الذي عرف بمعارضته للرقابة والتطرف، لم يكن يخشى المواجهة سواء خلف الكاميرا أو أمامها، اعتبر نفسه جزءاً من جيل الليبراليين المصريين، وظل حتى آخر أيامه يكافح ضد ما اعتبره قيوداً فكرية واجتماعية، مؤمناً بأن السينما فعل حرية قبل أن تكون صناعة، هكذا لم يكن تمثيل يوسف شاهين إضافة هامشية إلى مسيرته بل كان امتداداً طبيعياً لرغبته الدائمة في قول رأيه بصوت عالٍ، حتى لو كان هذا الصوت صادراً من داخل الكادر.

تحدث الناقد الفني طارق الشناوي عن تجربة يوسف شاهين في التمثيل، موضحاً رأيه بوضوح في مدى احترافية شاهين كممثل، وذلك في تصريحات خاصة، قائلاً إن ظهور يوسف شاهين في فيلم «إسماعيل ياسين في الطيران» كان قائماً بدور المخرج، وكان يؤدى فكرة لمحة المخرج والعصيبة وتفاصيله، وحدوتة مصرية نفس الحكاية، وإسكندرية كمان وكمان كان عامل قانون 103، وقد اشترك في الاحتجاج ولكن يوسف لا ينطبق عليه مواصفات ممثل، ولكنه يمتلك كاريزما وحضور لا يمكن إنكاره، إلا أنه ليس ممثلاً بالمعنى الاحترافي والعلمي، وأضاف الشناوي متطرقاً إلى تجربة يوسف شاهين في فيلم «باب الحديد»، مؤكداً أنها كانت حالة استثنائية في مسيرته، قائلاً إنه لا يعتبر يوسف شاهين ممثل موهوب، ولكن صادف شخصية قناوي في فيلم «باب الحديد» توافق معه، مما جعل جرحاً في داخله في نغمة إبداعية، فعبر عنها بالصوت والحركة بتفاصيل الأداء، فنجحت، وهذا دور استثنائي يشبهه لأنه أضاف عليه ملامحه فعمل هذا الوهج.

وأوضح طارق الشناوي أن يوسف شاهين بحكم كونه مخرجاً، كان يتدخل أحياناً في توجيه الممثلين، مشيراً إلى أن بعضهم كان يلتزم بتوجيهاته، بينما يتمرد آخرون عليها، واختتم الشناوي حديثه بالإشارة إلى حس يوسف شاهين الفني وقدرته على تمييز الأداء الجيد، مستشهداً بتجربته مع الفنان محمود المليجي، قائلاً إن يوسف كان يشعر بالأداء الجيد، كما في فيلم الأرض، حيث شعر بأن محمود المليجي كان طايراً بهذا الفيلم.