تعتبر مسيرة الأديبة القطرية الدكتورة هدى النعيمي مثالًا مميزًا لتداخل المعارف، حيث يلتقي العلم بالفن والفلسفة. فوزها بجائزة كتارا للرواية العربية عن روايتها “زعفرانة” يمثل اعترافًا بجماليات عملها، ويعكس مشروعًا نقديًا بدأته من خلال مجموعاتها القصصية مثل “المكحلة” و”أنثى” و”أباطيل”. هذا الفوز يعكس سعيها لفهم الواقع الاجتماعي والتاريخي من خلال تحليل منهجي.

انتقال النعيمي من القصة القصيرة إلى الرواية ليس مجرد تغيير في الشكل، بل هو توسيع لمدار اهتمامها في البحث عن الحقيقة بعيدًا عن الهيمنة الذكورية. لقد أدركت أن التعبير المكثف في القصة يمكن أن يحمل قوة أكبر. مجموعتها “أباطيل” تعكس تمزيق الأنساق الذكورية، بينما روايتها “زعفرانة” تشير إلى إعادة تموضع الهوية الأنثوية ضمن بنية السلطة.

تأتي خلفيتها العلمية في الفيزياء النووية والفيزياء الحيوية الطبية لتشكل أساس خطابها السردي. هذا التفاعل بين المنظور العلمي والعمق الأدبي يمنح نصوصها بُعدًا تحليليًا دقيقًا، حيث تسعى لتفكيك القيود الاجتماعية من خلال سردها.

تتمحور فلسفة أعمال النعيمي حول الهيمنة التخيلية النسوية، حيث تتجاوز سرد العلاقات بين الرجل والمرأة إلى نقد الأنساق المعرفية التي تهيمن على الوجود العربي. تدرك أن المقاومة الثقافية تتطلب تجاوز الأطر التخييلية التقليدية.

تستخدم النعيمي السخرية كأداة فعالة، حيث تعبر عن قضاياها بلغة قصصية تحمل حسًا ساخرًا. السخرية هنا ليست مجرد أسلوب بل هي وسيلة لتفكيك المركزيات القمعية. عندما يصبح الواقع مثقلاً بالهزائم، فإن اللغة الأكثر تعبيرًا هي تلك التي تلجأ إلى السخرية.

تظهر هذه الرؤية في تحوير السرديات الكبرى، كما في قصة “بعد الألفية الأولى”، حيث تتحول شهرزاد إلى الملكة التي تأخذ زمام الحكم. ومع ذلك، يبقى شهريار مقيدًا، مما يعكس صعوبة الحفاظ على التحرر.

تعتمد النعيمي على الفانتازيا كأداة معرفية، حيث تستخدمها لكشف طبيعة العالم من حولها. نصوصها تتضمن عناصر فانتازية تكشف عن الواقع وتطرح مواقف نقدية. تعتمد على الانزياح في السرد لتفكيك الأباطيل الاجتماعية والسياسية.

تبدأ هذه العملية من العنونة، حيث يحمل عنوان “أباطيل” دلالات متعددة تعكس الواقع الصادم. العنوان ليس مجرد هوية بل نص موازٍ يساهم في تشكيل السرد.

لا يمكن فصل خلفيتها العلمية عن منهجها الأدبي. دراستها للفيزياء تعكس قدرتها على رصد الديناميكيات الاجتماعية، حيث تشرح طاقة القيود الاجتماعية. في قصة “السيدة الجليلة”، يظهر القيد كطاقة كامنة تستمر حتى بعد فناء مصدرها.

تستخدم النعيمي التراث كمرجع مفتوح، حيث تحاوره وتحوّله إلى سخرية. في قصة “شخبطة على جدار التاريخ”، تجمع شخصيات تاريخية لتظهر الوجع العربي. هذا التوحيد للخراب يعكس أن الهزيمة ليست أحداثًا منفصلة بل نسق متصل.

تغوص النعيمي في التشريح العميق للهوية الأنثوية، كما في قصص “أنثى” و”المكحلة” و”السيدة الجليلة”. تكشف هذه النصوص عن تجربة الفرد، حيث تعبر عن استلاب الهوية وفقدان الذات.

تستخدم النعيمي الحيوانات كأقنعة فانتازية لنقد الوجود العربي. في قصة “الفأر الذي لم تقتله الجبنة”، يظهر الفأر ذكاءً يفوق وعي المثقف. هذا النقد يعكس الفشل في رصد الحركة الوجودية.

مشروع النعيمي الأدبي يتجاوز الأدب النسوي التقليدي، ليصبح فعلاً فلسفيًا عميقًا. تسعى من خلاله لفهم جوهر الحقيقة في عالم تحكمه الأباطيل. فوز روايتها “زعفرانة” بجائزة كتارا يمثل تتويجًا لهذا المسار، ويؤكد استمرارها في طرح سؤالها الأزلي: ماذا تريد النساء؟