احتفى معرض القاهرة الدولي للكتاب بالروائي إبراهيم عبد المجيد بمناسبة بلوغه عامه الثمانين خلال ندوة تحولت إلى مساحة مفتوحة للحب والاعتراف بسيرة إنسانية وإبداعية لكاتب ظل حاضرًا ومخلصًا للحكي وللناس وللمكان.
استهل الندوة الكاتب محمود التميمي بكلمة عبّر فيها عن محبته الكبيرة لعبد المجيد متوقفًا عند لمحات نقدية من عالمه الروائي ولا سيما شخصياته المؤثرة التي تركت أثرًا عميقًا لديه وعلى رأسها بطل رواية «صياد اليمام».
وأشار التميمي إلى أن عبد المجيد يتأثر بعمق بعلاقاته الإنسانية واقترابه من الناس وهو ما ينعكس بوضوح في أعماله الروائية حيث تتحول التفاصيل اليومية والمشاعر الإنسانية إلى مادة سردية نابضة بالحياة.
ورحّب التميمي بنخبة النقاد والمثقفين الذين حضروا بدافع المحبة والتقدير لعبد المجيد كما رحّب بجمهور الندوة الذي جاء للقاء كاتبه المفضل مؤكدًا أن هذا الحضور الكثيف يمثل شهادة حية على مكانة الكاتب في القلوب قبل الكتب.
واستعرض التميمي سيرة ومشوار الكاتب المحتفى به مشيرًا إلى أن معرض الكتاب يكرّمه هذا العام وهو لا يزال يمنح المكتبة العربية إبداعًا متواصلًا وحضورًا متجددًا ضمن مشروع سردي لم يتوقف عند زمن بعينه.
المعرض والذاكرة
انتقل الحديث إلى الكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد الذي استهل كلمته بالترحيب بالحضور معربًا عن سعادته الكبيرة بهذا اللقاء خاصة أنه يُقام في معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي يمثل له قيمة خاصة وذكريات ممتدة عبر سنوات طويلة.
وقال عبد المجيد إنه يحرص كل عام على زيارة المعرض وشراء كتب متنوعة مشيرًا إلى أنه كتب خلال هذا العام وحده ما يقرب من أربعين قراءة نقدية لعدد كبير من الكتب معتبرًا المعرض أحد أهم تجليات القوة الناعمة الحقيقية في مصر.
وأوضح أنه رغم مروره بوعكة صحية شديدة حرص على تلبية الدعوة بدافع المحبة ولقاء جمهوره وأصدقائه معتبرًا هذا اللقاء لحظة إنسانية خاصة.
وتحدث عبد المجيد عن أحدث رواياته «سامح الفؤاد» الصادرة عن دار الهلال موضحًا أنها رواية رومانسية عن بطل يكتشف الحب في الكِبر بعد موقف رافض له ويمزج داخلها بين الأغاني والأفلام ليفاجأ لاحقًا بعرضها جميعًا على شاشة التلفزيون عقب صدور الرواية.
كما استعاد تجربته مع رواية «في كل أسبوع يوم جمعة» حيث ظل يرى شخصياتها تتجسد أمامه في الواقع بعد الانتهاء من كتابتها.
وقال الدكتور يسري عبد الله إن إبراهيم عبد المجيد يمثل معنى فريدًا في السرد المصري والعربي ويُعد مشروعه الروائي ابنًا للتجدد المستمر والمغامرة الجمالية والفنية المتواصلة.
وأضاف أنه إذا كانت الإسكندرية قد مثّلت مركزًا للسرد في أعمال إبداعية عديدة له وجوهرًا للحكاية داخلها فإنه كان دائمًا يحفر في أمكنة مختلفة وسياقات متعددة فالكتابة لديه ابنة التراكم والفن والتنوع الخلّاق.
وأوضح أن الفضاءات المكانية تتعدد في أعمال الكاتب الروائي إبراهيم عبد المجيد وتتخذ أشكالًا متنوعة فمن الإسكندرية وجهته الأثيرة في روايات «لا أحد ينام في الإسكندرية» و«طيور العنبر» و«الإسكندرية في غيمة» إلى سياق مغاير في «البلدة الأخرى» ثم إلى الفضاء الافتراضي الجديد في «في كل أسبوع يوم جمعة» مرورًا بالقاهرة بزخمها في روايات عديدة وصولًا إلى أسطرة الواقع في «قطط العام الفائت» والمعنى الأسطوري في روايته «السايكلوب».
وأشار إلى أن إبراهيم عبد المجيد مسكون بالإسكندرية ومشغول بها لا بوصفها مكانًا ماديًا متعينًا فحسب ولا حتى باعتبارها مزيجًا بشريًا خلّاقًا ومختلفًا وإنما بوصفها شاهدًا على تحولات الحياة المصرية ذاتها فمن رحابة المدينة الكوزموبوليتانية التي تجلت في رواية «لا أحد ينام في الإسكندرية» إلى مصريتها الخالصة في «طيور العنبر» وصولًا إلى ضيقها الروحي والنفسي في «الإسكندرية في غيمة» التي تكشف سنوات الموات البطيء لمدينة تقاوم ولا تزال سموم الرجعية ورياحها التعيسة.
وأضاف أن الإسكندرية تبدو حاضرة دومًا بقلقها وصخبها وشجوها الذي لا ينتهي والأهم بإنسانيتها التي لا تنفد والتي تقاوم المد الرجعي.
وأكد يسري عبد الله أن هناك دائمًا لدى إبراهيم عبد المجيد جدلًا قائمًا بين الواقع والحلم والأسطورة حيث تحدث الانتقالات بين الواقعي والمتخيل على نحو ناعم وفني وغير مفتعل.
كما أشار إلى أن عبد المجيد يتناص أحيانًا مع كتاباته السابقة وقد يستدعي في روايةٍ ما شخصياتٍ من رواية أخرى له ليخلق لها حركة جديدة داخل الفضاء السردي.
شهادات المحبة والتقدير
وتحدث الدكتور أحمد فضل شبلول عن علاقته بأدب عبد المجيد التي بدأت برواية «لا أحد ينام في الإسكندرية» مرورًا بـ«البلدة الأخرى» و«في كل أسبوع يوم جمعة» مستعيدًا لقاءاتهما في مقاهي الإسكندرية معربًا عن أمله في الاحتفال به مجددًا في عيده التسعين.
وأشار الكاتب الصحفي أيمن الحكيم إلى أن محبته لعبد المجيد ورثها عن أستاذه رجاء النقاش مؤكدًا أن أعماله مستمدة من حياة حقيقية وزاخرة بالتجارب.
بينما أكد الكاتب الصحفي بشرى عبد المؤمن أن عبد المجيد لا يمكن اختزاله في الكتابة عن الإسكندرية فقط فهو كاتب مصر بامتياز.
وفي ردّه أوضح عبد المجيد أن انتقاله إلى القاهرة استغرق وقتًا طويلًا للتصالح معها بعد تشبّعه الكامل بذكريات الإسكندرية مؤكدًا أنه ما زال يميل إلى العزلة والكتابة من البيت.
وأكد الدكتور حسين عبد البصير أن أعمال عبد المجيد تمثل مادة ثرية لدراسة تطور الأدب الحديث وتتيح رؤية لإسكندرية لم نعشها مثقلة بالحنين والبعد الصوفي.
فيما تحدث الناقد صلاح زكي صديق العمر عن نصف قرن من الصداقة واصفًا عبد المجيد برقة القلب وحسن صيانة موهبته.
وتحدث الشاعر زين العابدين فؤاد عن عبد المجيد بوصفه شاهدًا على عصره لم يساير الموضات بل عبّر عن الناس بضميرهم.
وأكد وائل لطفي أنه من مدرسة نجيب محفوظ يكتب عن الناس بوصفه واحدًا منهم بينما وصفه سيد عبد الحميد بالأب الروحي مختتمًا شهادته بجملة صادقة «أنا بحبك».
وأكدت داليا عاصم امتلاكه مشروعًا سرديًا متكاملًا فيما رأت نشوى أحمد أن الحرية تيمة مركزية في أعماله وتحدثت صفاء فيصل عن إنسانيته ودفئه.
وأشار آدم مكيوي إلى أن أعماله الدرامية لم تنل حقها معتبرًا إياه من رواد الواقعية السحرية في الأدب المصري.
وفي ختام الاحتفالية تتابعت شهادات قصيرة اجتمعت جميعها على معنى واحد «محبة خالصة لكاتب بلغ الثمانين وما زالت الحكاية معه في بدايتها».


