أكّدت دار الإفتاء أن شهر شعبان يعد من الشهور المباركة وله مكانة خاصة في الشريعة الإسلامية، حيث تُعتبر ليلة النصف من شعبان من أفضل لياليه، وقد وردت نصوص صحيحة تشير إلى اهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها، حيث كان يكثر من الصيام فيها، وذلك لأنها فترة تُرفع فيها الأعمال إلى الله تعالى، كما جاء في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما.
وأوضحت دار الإفتاء أن السنة النبوية تشير إلى فضل هذا الشهر، وخاصة ليلة النصف منه، التي خصها الله بمزيد من الفضل، ورغبت الشريعة في إحيائها بالذكر والدعاء والقيام، وصيام نهارها، لما ينزل فيها من الخيرات والبركات، وما يحدث فيها من مغفرة ورحمة لعباده.
الأدلة الشرعية على فضل ليلة النصف من شعبان
بيّنت دار الإفتاء أن فضل ليلة النصف من شعبان ثابت بنصوص عديدة من القرآن والسنة وأقوال الصحابة والتابعين، وقد أشار عدد من المفسرين إلى أن قوله تعالى: {فيها يفرق كل أمر حكيم} يشير إلى ليلة النصف من شعبان، حيث يُقدَّر فيها أمر السنة وتُكتب الآجال والأرزاق، كما ورد عن كبار علماء التفسير
كما استشهدت الإفتاء بعدد من الأحاديث النبوية التي تتحدث عن فضل هذه الليلة، ومنها ما رواه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، في نزول الرحمة الإلهية ومغفرة الذنوب وفتح أبواب الخير في هذه الليلة المباركة.
وأوضحت أن العلماء اهتموا بهذه الأحاديث، وأفردوا لها أبوابا خاصة في كتب السنة، مؤكدين أن مجموع هذه الروايات يقوي بعضها بعضا، ويُحتج بها في فضائل الأعمال، وهو ما أكده عدد من كبار أهل الحديث، مثل العلامة المباركفوري.
عمل الصحابة والتابعين
أشارت دار الإفتاء المصرية إلى أن أقوال الصحابة رضي الله عنهم أكدت فضل ليلة النصف من شعبان، حيث نقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما الحث على إحيائها، واعتبارها من الليالي التي لا يُرد فيها الدعاء.
كما نقلت الإفتاء ما ورد عن كبار التابعين، مثل عمر بن عبد العزيز، وخالد بن معدان، وعطاء بن يسار، في بيان فضل هذه الليلة وعظيم أثرها، مما يدل على استقرار هذا الفهم في وجدان الأمة عبر الأجيال.
وأكدت دار الإفتاء أن العلماء عبر العصور لم يختلفوا في تعظيم هذه الليلة، بل ألّفوا فيها مؤلفات ورسائل مستقلة، ومنهم الحافظ ابن الدبيثي، وابن حجر الهيتمي، والملا علي القاري، والشيخ محمد حسنين مخلوف، والشيخ عبد الله بن الصديق الغماري، وغيرهم، مما يعكس رسوخ هذا الفضل في التراث العلمي الإسلامي.
دعاء ليلة النصف من شعبان
وفيما يتعلق بدعاء ليلة النصف من شعبان، أكدت دار الإفتاء أنه يمكن الدعاء بأي شيء يحبه العبد في هذه الليلة المباركة، ولا يُشترط أن يكون واردا بنصه الكامل في حديث نبوي حتى يكون مشروعا، مشددة على أن الدعاء باب واسع، والأصل فيه الإباحة، بل الاستحباب، ما دام خاليا من المخالفات الشرعية.
وأوضحت أن هناك دعاء مشهور بين الناس يشتمل على معان صحيحة من الثناء على الله تعالى، والتوسل إليه، وطلب المغفرة والرزق ودفع البلاء، وهي معانٍ ثابتة في الكتاب والسنة، كما أن كثيرا من ألفاظه وردت عن الصحابة والسلف الصالحين، ومنهم عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، وهذا الدعاء كالتالي:
«اللَّهُمَّ يَا ذَا الْمَنِّ وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، يَا ذَا الطَّوْلِ وَالإِنْعَامِ. لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ظَهْرَ اللَّاجِئينَ، وَجَارَ الْمُسْتَجِيرِينَ، وَأَمَانَ الْخَائِفِينَ. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ شَقِيًّا أَوْ مَحْرُومًا أَوْ مَطْرُودًا أَوْ مُقَتَّرًا عَلَيَّ فِي الرِّزْقِ، فَامْحُ اللَّهُمَّ بِفَضْلِكَ شَقَاوَتِي وَحِرْمَانِي وَطَرْدِي وَإِقْتَارَ رِزْقِي، وَأَثْبِتْنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ سَعِيدًا مَرْزُوقًا مُوَفَّقًا لِلْخَيْرَاتِ، فَإِنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ فِي كِتَابِكَ الْمُنَزَّلِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكَ الْمُرْسَلِ: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، إِلهِي بِالتَّجَلِّي الْأَعْظَمِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ الْمُكَرَّمِ، الَّتِي يُفْرَقُ فِيهَا كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ وَيُبْرَمُ، أَنْ تَكْشِفَ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا نَعْلَمُ وَمَا لَا نَعْلَمُ وَمَا أَنْتَ بِهِ أَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ»
وأضافت الدار أن الزيادات الواردة في آخر الدعاء منقولة عن بعض العلماء المتأخرين، ولا حرج في العمل بها، لأنها تندرج تحت عموم الذكر والدعاء المشروعين، ولا تتعارض مع أصل من أصول الدين.
وختمت دار الإفتاء بيانها بالتأكيد على أن إحياء ليلة النصف من شعبان بالدعاء والذكر والقيام أمر مشروع ومستحب، وأن تخصيص دعاء معين بها من باب الفضائل لا من باب الفرائض أو السنن المؤكدة، داعية إلى التيسير في مسائل العبادات، وعدم إثارة البلبلة بين الناس في أمور وسع فيها الخلاف، واستقرت عليها الأمة عبر تاريخها الطويل.

