أكد الدكتور خالد منتصر خلال ندوة لمناقشة كتاب “الثقافة العلمية” للدكتور سامح مرقص، التي عُقدت في قاعة “كاتب وكتاب” ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، أن العلم يعتمد على ما يمكن اختباره والتحقق منه، وليس على الانطباعات أو القناعات الشخصية.
وأوضح منتصر أن العلم لا يعتمد على المشاعر أو الشعارات، بل على الدليل والمنهج والقدرة على القياس، مشددًا على أن ما نؤمن به أو نحبه لا يمكن اعتباره حقيقة علمية إلا إذا خضع للفحص والتجربة.
مناقشة القضايا بالعقل والمنطق
وأشار إلى أن حب الإنسان لوطنه شعور مشروع، لكنه لا يكفي لصناعة معرفة أو إدارة واقع، موضحًا أن العلم يبدأ بتقديم أرقام ودراسات موثقة لمناقشة القضايا وإقناع الناس بالعقل والمنطق، وليس بالعاطفة فقط.
وتناول منتصر أزمة التعامل مع المرض والاكتشافات العلمية في مجتمعاتنا، متسائلًا عن سبب عدم معالجة الأمور علميًا، ولماذا تظل فكرة اختراع الدواء أو تقبل ظهور مرض جديد محاطة بالإنكار والتشكيك.
وأوضح أن الكثيرين يرون أي اكتشاف طبي جديد كخدعة أو مؤامرة، انطلاقًا من تصور خاطئ بأن كل شيء قد اكتُشف بالفعل، وأن العلم وصل إلى نهايته.
وأكد أن الحقيقة العلمية تشير إلى أن ما لم يُكتشف بعد يفوق بكثير ما تم اكتشافه، وأن المعرفة الإنسانية في تطور دائم، مشددًا على أن الفارق بين المجتمعات المتقدمة وتلك المتراجعة يكمن في القدرة على طرح الأسئلة، وقبول الشك، والبحث عن إجابات قائمة على الدليل.
وفي نفس السياق، قالت الدكتورة نيفين مكرم لبيب، أستاذة الذكاء الاصطناعي بأكاديمية السادات، إن الحديث عن الثقافة العلمية يجب أن يرتبط بما أسمته “معيار الكفاءة”، أي قدرة الإنسان على تحويل المعرفة إلى أداة عملية تساعده في اتخاذ قراراته الشخصية والمهنية.
وأوضحت أن امتلاك المعلومة لا يكفي ما لم نفهم كيفية استخدامها وتقييم صحتها، مؤكدة أن العصر الحالي يفرض امتلاك مهارة التفكير النقدي، مشيرة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة لتداول معلومات تعتمد في كثير من الأحيان على العاطفة، وتُقدَّم بأسلوب جذاب قد يكون مضللًا وخطيرًا.
وأكدت ضرورة التوقف قبل تبني أي رأي أو اتخاذ أي قرار استنادًا إلى معلومات متداولة، مع التساؤل حول مصدرها ودوافع نشرها ومدى دقتها، مشيرة إلى أن كثيرًا من المحتوى يُصاغ بذكاء لاستثارة المشاعر، لكن عند نزع الغلاف العاطفي عنه يتضح ضعفه أو زيفه.
أخطر ما يواجه المجتمعات
وأشارت إلى أن أخطر ما يواجه المجتمعات هو اتخاذ قرارات مصيرية بناءً على معلومات بلا أساس علمي، مؤكدة الحاجة إلى بناء عقل واعٍ قادر على التمييز بين الصحيح والمضلل، سواء كان التضليل مقصودًا أو غير مقصود.
بدوره، قال الدكتور سامح مرقص، أستاذ الأشعة التشخيصية بجامعة شيفلد ومؤلف كتاب “الثقافة العلمية”، إن إحدى أعظم الثورات المعرفية في تاريخ البشرية كانت إدراك الإنسان أن الأرض ليست مركز الكون، بل تدور حول الشمس.
وأضاف أن هذه الحقيقة، التي تبدو بديهية اليوم، شكلت في وقتها صدمة كبرى أعادت تشكيل فهم الإنسان للعالم، وأسست لقوانين جديدة ومعادلات رياضية ولغة علمية مختلفة.
وأوضح مرقص أن هذه التحولات تمثل جوهر المنهج العلمي، الذي يُعد أعظم إنجاز بشري، لأنه لا يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، بل يقوم على الشك والتجربة وإمكانية الخطأ، مؤكدًا أن العلم ليس مجموعة حقائق نهائية، بل عملية مستمرة من الاكتشاف والمراجعة والتصحيح.
وأشار إلى أن التطور التكنولوجي الهائل أتاح للبشرية اكتشاف ملايين الظواهر التي لم تكن في متناول الفهم سابقًا، لكنه في الوقت نفسه حمّل العلماء مسؤولية أخلاقية كبرى، موضحًا أن العلم قوة، وكل قوة قد تتحول إلى خطر إذا لم تُضبط بالمعايير الأخلاقية.
وشدد على أن العالم الذي يستحق التقدير الحقيقي هو من يلتزم بالمنهج العلمي الصارم ويضع الأخلاق في صدارة عمله، لأن العلم بلا أخلاق قد يتحول إلى أداة تدمير، بينما العلم المنضبط أخلاقيًا هو وحده القادر على خدمة الإنسانية ودفعها إلى التقدم.
واختتمت الندوة بتأكيد أن الثقافة العلمية ليست شأنًا نخبويًا، بل ضرورة مجتمعية، لأنها تُعلّم الإنسان كيف يفكر، وكيف يميّز بين ما يرغب في تصديقه وما يجب أن يصدّقه فعلًا، في زمن تتزاحم فيه المعلومات، وتصبح فيه المعرفة الحقيقية خط الدفاع الأول عن العقل.

